المرأة “أمُّ الدنيا” بشرى علي

المرأة “أمُّ الدنيا”              بشرى علي
بشرى علي
كتب: آخر تحديث:
بقلم/ بشرى علي

في لحظة تأمل عميق للكون، لا يتمالك المرء نفسه من القول في قرارة نفسه: “وكأن الحرية هي هدف الكون”. فكأن كل ذرّة وكل كيان إنما يهدف إلى التمتع بالحدود القصوى من الحرية. ولعل التعريف الأكثر عمقاً للحرية فيما يتعلق بالمجتمع البشري، قد ذكره الفيلسوف الشهير “سبينوزا” حين قال: “الحرية هي قوة المعنى والخلاص من الجهل”.
بالإمكان تعريف المجتمع بأنه “الطبيعة ذات الذكاء الأرقى تركيزاً”. فمستوى ومرونة الذكاء البشري يشكلان الدعامة الحقيقية للبناء المجتمعي.

وبقدر ما تتركز قدرات المجتممع في الذكاء والثقافة والعقل، فإنه يكون ميّالاً إلى الحرية بالمِثل. والعكس صحيح. بالتالي، فكلما حُرم المجتمع من الحرية، كلما سقط إلى مستوى مجتمع “القطيع”.

ولعل هذا أفضل برهان على تمسك أسلافنا بقواعد الحياة التي سميت بـ”الأخلاق”. فالأخلاق المجتمعية الوطيدة غير ممكنة إلا بالحرية. أو لنقل، إن الحرية هي منبع الأخلاق الفاضلة. بالتالي، فالأخلاق هي تقاليد الحرية وقواعدها المركَّزة. أي أنها “الضمير الجمعي” للمجتمع.
وإذا ما انطلقنا من هذا المنظور في تقييم يومنا الراهن، فنسجد أن أكثر ما نفتقر إليه هو “الأخلاق الفاضلة”. وهذا ما يدل على معاناتنا العميقة من قضية الحرية. ولعل “مصر”، أو كما يسميها أهلها عن وجه حق “أم الدنيا”، هي خير مثال لتنوير هذا الأمر.

ذلك أن “أم الدنيا” كانت فعلاً كذلك في غابر الأيام. تنطلق منها موجات الهجرة البشرية، لتنقل معها الكثير من المعارف والثقافات والأخلاقيات، ولتؤدي بذلك دوراً محورياً في تنوير البشرية.
ولكن، هل يمكن قول ذلك عنها راهناً؟ خاصة وأن مصر باتت تتصدر لوائح الدول التي تشهد ظاهرة “التحرش الجنسي” عالمياً. فحتى عندما بدأت انتفاضات “ميدان التحرير”، رأينا كيف تفجرت أحداث “التحرش الجنسي”! فهل من مفارقة أكبر من هذه للإشارة إلى ما وصلت إليه المرأة في “أم الدنيا” نتيجة الهجمات والضغوط التي تستهدفها وتطال حريتها؟ قد تكون مصر مثالاً مثيراً في هذا السياق، ولكنها ليست مثالاً وحيداً.

فالمرأة في عموم بلدان الشرق الأوسط تعاني من هذه الظاهرة ومن الكثير من الظواهر المريعة، التي قد يكون “التحرش” فيها مثالاً فظاً، لا غير.
فحرمان المرأة من حقوقها (رغم أنها إنسان أولاً وأخيراً)، وعدم احترام خصوصياتها كأنثى، وعدم اعتماد التمييز الإيجابي لصالحها في كافة القضايا الاجتماعية، إنما يمثل الطامة الكبرى في مجمل قضايا الحرية التي تعاني منها مجتمعاتنا وشعوبنا.

وعلى سبيل المثال، فهل من المعقول أننا بتنا في القرن الحادي والعشرين، وما نزال نشهد في بلد مثل السعودية أن مجرد قيادة المرأة للسيارة تعتبر أمراً محظوراً، وفي حال منحها هذا الحق (مؤخراً) أن يُعَدّ ذلك “ثورة”!؟
وهل من المعقول أن نكون في هذا القرن، وما نزال نشهد النقاشات المحتدمة حول “حق المرأة في إعطاء جنسيتها لأطفالها” في بلد طالما يتغنى بالحرية مثل لبنان؟ أو ما نزال نشهد نقاشات محتدمة في العراق مثلاً حول السن “المعقول” و”الشرعي” لزواج الفتيات، وخضوع هذا الحق لإنصاف “الشيخ” أو المفتي”؟ لماذا مثلاً لا تُمنَح المرأةُ نفسَها حق الإقرار بكل ما يتعلق بها؛ بدءاً من موضوع إعطاء الجنسية إلى الزواج أو الطلاق، ومن موضوع إنجاب الأطفال إلى تحديد النسل؟ وماذا ينقص في المرأة حتى لا تكون أصلاً في أماكن صنع القرار بكل ما يتعلق بالوطن؟ ولماذا يكون هذا الأمر أيضاً موضوع سجال عقيم في أغلب الأحيان؟ يبدو لا خيار أمام المرأة سوى أن تسترد بكفاحها الدؤوب حريتها المسلوبة وحقوقها المغتَصبة، كي تسترجع أيام مجدها، حين كانت المرأة بذاتها “أم الدنيا”.

التعليقات

اترك تعليقاً