السفير البريطاني بالقاهرة يودِّع المصريين.. تحدث العامية المصرية ويشجع الاتحاد السكندري ويصوم رمضان وأهدى محمد صلاح “عسلية”

السفير البريطاني بالقاهرة يودِّع المصريين.. تحدث العامية المصرية ويشجع الاتحاد السكندري ويصوم رمضان وأهدى محمد صلاح “عسلية”
كانسن
كتب: آخر تحديث:

يأتي ويرحل مئات السفراء إلى مصر من دون أن يعرفهم أحد، وقليل منهم استطاعوا جذب أنظار المواطنين البسطاء إليهم، أحد هؤلاء هو السفير البريطاني في مصر جون كاسن، وسيكون آخر أيام أغسطس 2018، هو اليوم الأخير له في مصر، قبل عودته إلى بريطانيا.

«أربع سنين في مصر عدّوا هوا، وآن الأوان إني أسلم الراية ومفتاح السفارة، بس أنا برضه مكنتش ناوي أمشي من غير ما أسلّم عليكم.. العشرة ما تهونش»، بهذهالكلمات العاطفية ودَّع كاسن المصريين على فيسبوك، وكان قد عقد قبل رحيله بأسبوعين مؤتمراً صحافياً أعلن فيه انتهاء فترة عمله في مصر، قال فيه «من الصعب ترك مصر.. وكوني سفيراً هنا كان من أفضل الأمور التي قمت بها».

 

كاسن الذي اشتهر باندماجه في حياة المصريين وتواصله الدائم معهم، سواء على شبكات التواصل الاجتماعي أو بالتواجد في الأماكن العامة لفت إليه الأنظار بتصرفاته المثيرة، مثل تناول الإفطار على عربات الفول، وتبادل النكات مع الفنان محمد هنيدي على تويتر، واحتفاله بشم النسيم وهو يأكل الفسيخ.

نعم، لقد استطاع كاسن أن يصنع لنفسه حالة خاصة، ربما تكون شبيهة بالحالة التي صنعها «فرانسيس ريتشاردوني» السفير الأميركي الأسبق في القاهرة، الذي كان يلقب بالسفير المتصوف، لأنه كان يواظب على حضور «الموالد». فما هو سر جاذبية كاسن، وأبرز مشاركاته مع المصريين فترة وجوده في مصر، وردود أفعال المصريين عليها؟

«سنفتقد تغريداتك جداً».. هكذا كانت ردود فعل المصريين

بدا حب المصريين للسفير البريطاني واضحاً، بعدما أعلن قرب موعد مغادرته لمصر، فكتبت إحدى الفتيات المصريات على حسابه في تويتر قائلة له: «أنت لا يمكن تكون سفيراً من بريطانيا، إنت أكيد من شُبرا، هنفتقد تغريداتك جداً».

بينما أرفق أحد الشباب صورة المحلل واللاعب السابق رضا عبدالعال (مزحة منتشرة مؤخراً) وكتب فوقها: «أنا بقولك لو وزعت علينا فيزا هنحبك أكتر»، وتضامن معه الكثير من الشباب المصري في التعليقات، وعبّر شاب آخر عن حزنه لوداعه قائلاً: «إنت ماعدش ينفع تسيب مصر، إنت بقيت من المشاهير، وأنا من المتابعين بجد ليك»، وأبدى أحدهم تعجبه من أسلوبه قائلاً: «بجد يا أسطى إنت سفير؟» فردَّت عليه إحدى الفتيات قائلة: «الراجل ده مجنني وربنا».

بدأ جون كاسن أعماله سفيراً لمصر، في شهر أغسطس/آب 2014، ومكث أربع سنوات، اكتسب خلالها شعبية كبيرة عند المصريين، بسبب تحدثه لهجتهم العامية.

فبعدما تم تكليفه بالعمل في مصر وجاء إليها، أدرك بذكاء أنه لن يستطيع الوصول إلى قلوب المصريين إلا إذا تحدّث لهجتهم. كاسن الذي درس اللغة العربية الفصحى في الأردن عندما كان نائباً لسفيرها، التحق في بداية عمله في مصر بجامعة الإسكندرية لدراسة المزيد من الفصحى، لكنه بعد شهر من الدراسة تنبّه إلى ردود أفعال المصريين وشعورهم بالغرابة عند تحدثه إليهم، فبدأ الدراسة مع معلم لغة عربية حاول أيضاً أن يعلمه الفصحى فقال له كاسن: «فكك مني»، حتى يعلمه اللهجة المصرية.

تحدَّث السفير البريطاني السابق عن ذلك فقال: «الفصحى في الكتب بس.. أريد أن أذهب إلى وسط المدينة» جملة هتسيب أي سواق تاكسي في ذهول أو مصاب بكريزة ضحك، تعليم السنين بتاع الفصحى راح وبدّله كلام زي «فكك مني» و«إيه الأي كلام ده» و«فرتكة فرتكة ع الطبلة وع السكسكة».. دلوقتي لما أحب أروح وسط البلد بقول «باشا.. وسط البلد.. العداد شغال؟».

وذاع صيت السفير أكثر عندما نشر على حسابه في تويتر فيلماً قصيراً بعنوان: «خلصانة بشراكة»، الأمر الذي جعل عدد المتابعين لحسابه في وقتها يتعدى 500 ألف متابع، وعلى الرغم من أن الفيلم كان يطرح مبادرة تُعالج قضية المساواة بين الجنسين في مكان العمل، إلا أن المصريين استجابوا لهذه المبادرة بطريقة أقل جدية من اهتمامهم بطريقة كلام السفير ومحاكاة عنوان الفيلم للمصطلح الدارج «خلصانة بشياكة» الذي يعني كل ما قيل وفُعل بلطف.

ويعزو البعض جاذبية السفير إلى صغر سنه، وتمتّعه بالحس الفكاهي الساخر، جون كاسون لا تتطابق صورته مع الصورة النمطية الرسمية للسفير، فهو شاب مغرم بصنع النكات، ولديه طريقة حديث مرحة.

يشجع سِيد البلد «الاتحاد السكندري».. وأمنية حياته أن يلتقي المنتخبان المصري والبريطاني

لعل من الأمور التي تدل على ذكاء جون كاسن أيضاً شغفه بالحديث عن اهتمامات الشباب، كالرياضة والأكل والفن، وخلال أحداث كأس العالم السابقة شجع السفير البريطاني المنتخبين؛ المصري والبريطاني، وتمنى لو تقابلا معاً في النهائي، وكان يحرص على مشاهدة مباريات المنتخب المصري في مقاهي القاهرة وسط المصريين.

وفي لقاء له مع أحد المذيعين سأله المذيع عن الفريق المصري الذي يشجعه، وما إذا كان الأهلي أم الزمالك؟ لكن كاسن ابتسم بذكاء، وأخبره أنه يدرك حساسية الأمور بين مشجعي الفريقين، وأن الدبلوماسي الذكي لا يتدخل في الشؤون الداخلية في البلاد، وقال إنه بحكم إقامته الأولى في الإسكندرية فإنه يشجع سيد البلد، في إشارة إلى فريق «الاتحاد السكندري».

ورغم إشارة السفير إلى عدم رغبته في التدخل في الشؤون الداخلية لمصر، إلا أنه تعرض لهجوم سابق بعد نشره لتغريدة على حسابه في تويتر، يقول فيها إنه يرحب بعمل ابن عامل النظافة في السفارة البريطانية، في إشارة مبطنة إلى رفضه لتصريح وزير العدل عن عدم قبوله لدخول ابن عامل النظافة السلك القضائي، الأمر الذي اعتبره البعض تدخلاً في شؤون البلاد الداخلية.

يصوم في رمضان ويصنع الفتة في عيد الأضحى ويأكل الفسيخ في شم النسيم

في الفيديو الذي نشره السفير البريطاني على حسابه في تويتر بمناسبة رحيله، قال جون كاسن إنه لن ينقطع عن التواصل مع المصريين، لأنه يحب أهل مصر وأكل مصر.

وفي نصيحته التي وجَّهها إلى إليزابيث وايت، مديرة المركز الثقافي البريطاني التي جاءت إلى مصر حديثاً، قال لها: «روحي الأماكن اللي الناس فيها، اللي سمع غير اللي شاف، لما تروحي الحسين روحي لأقرب فطاطري، لما تروحي النيل خذي فلوكة.. بيشغلوا مهرجانات.. وشحنة وشبرأة»

وحرص كاسن على مشاركة المصريين أكلاتهم في الأعياد والمناسبات الرسمية،فأكل الفسيخ في شم النسيم، وصنع الفتة في مطبخه في عيد الأضحى، وكان يأكل الفول والطعمية على عربات الفول صباحاً، ويشرب السحلب ليتدفأ في البرد، وقال في أحد لقاءاته إنه يُحب الشكشوكة والفطير بالعسل.

 

View image on TwitterView image on TwitterView image on TwitterView image on Twitter

ووجَّه رمضان صبحي -اللاعب المصري المحترف في صفوف نادى ستوك سيتي الإنكليزي- الدعوة لكاسن لحضور حفل زفافه، فغرَّد السفير على حسابه قائلاً لصبحي: «مبروك يا عريس وشكراً على الدعوة» فردَّ عليه صبحي وقال: «العريس اللي هو أنا كان مستنيك ترقص على فرتكة فرتكة»، وفي فيديو نُشر للسفير في أحد نوادي القاهرة، ظهر كاسن وهو يقلد رمضان بالوقوف على الكرة.

تبرَّع بالدم والتقى بالمفتي وشيخ الأزهر.. وأهدى محمد صلاح عسلية!

ويبدي كاسن إعجابه الشديد بمحمد صلاح، اللاعب المصري المحترف في صفوف فريق ليفربول الإنكليزي، وقد وجَّه في وقت سابق فيديو خاصاً إلى مشجعي فريق ليفربول، يعلمهم فيه طريقة النطق الصحيحة لاسم محمد صلاح، فهو مو صلاح، وليس مو ساليه كما يرددون دائماً، وبعد تتويج محمد صلاح بجائزة أفضل لاعب في الدوري الإنكليزي نشر جون كاسن صورةً له بصحبة محمد صلاح وهو يمسك بكيس من العسلية -حلوى مصرية شهيرة- وعلَّق عليها قائلاً: «مبروك يا صلاح، ملك البريمييرليغ، منور الملاعب دائماً، حاسس إن العسلية لعبت دور، لسة فيه شوية لماتش روما بكرة؟»

 

View image on TwitterView image on TwitterView image on TwitterView image on Twitter

وحرص كاسن على لقاء مفتي الجمهورية وشيخ الأزهر أكثر من مرة، ونشر على حسابه في تويتر رسائل وإجابات الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر، على الشباب المشاركين بمنتدى صُناع السلام الذي عُقد في بريطانيا.

ومن قبيل مشاركة السفير البريطاني في مصر في الأنشطة المجتمعية أيضاً، وجَّه دعوةً إلى بنك الدم المصري للحضور إلى السفارة، وقام هو وموظفو السفارة بالتبرع بالدم ودعوة المصريين إلى فعل ذلك.

لقد نجح جون كاسن طوال أربعة أعوام قضاها سفيراً لبلاده في مصر في تحقيق معادلة صعبة للغاية، بالتواصل مع الشعب والخروج من عباءة تواصل الدبلوماسيين مع النخب فقط، مما جعله معروفاً في الأوساط المختلفة، وبالتالي فإنه ترك ذكرى لن تُنسى لدى المصريين، وسيظل كاسن نموذجاً يمكن للسفراء حول العالم التعلم منه إذا كانوا يرغبون في الترويج لسياسة بلادهم، من خلال التواصل المباشر مع شعب الدولة المضيفة، وليس فقط الجهات الرسمية.

التعليقات

اترك تعليقاً