أوجاع الشارع الطويل الممتد  في رواية “يا..”

أوجاع الشارع الطويل الممتد  في رواية “يا..”
غلاف الرواية
كتب: آخر تحديث:
منال يوسف

هناك نصوص في الكتابة عنها تختار لها بدايات، وأخرى تفرض بداياتها، ورواية “يا.. ” للأديب محمد عكاشة، تحتويك من أول لحظة، فتفرض بداياتك ونهاياتك وإعجابك بحالة الاخلاص للفكرة التي أجدها قد وصلت لدرجة التوحد من قبل الكاتب؛ والذي أكسب العمل عمقاً ومتعة.

ورغم أن الرواية قصيرة نوعاً ما، إلا أن صفحاتها تمتليء بكم من الصخب والضجيج يمثل حياة سكان الشارع الطويل الممتد، الذي تعرفه تماماً ببيئته وشخصياته، بل إن شخصية بعينها تؤكد على مكان وجود هذا الشارع، وهي شخصية جمال الدولي المعروفة في مدينة الاسكندية، لكن الكاتب لم يطلق عليه اسماً، ليكون أي شارع في الوطن المقصود، أو وجود في فترة زمنية من تاريخه بما يحتويه من تجارب ومعاناة وأحلام وآلام وتطلع للخروج من الواقع المعاش.

ويفرض “الصوت” كبطل للعمل وجوده لنبدأ به ويستمر معنا حتى آخر كلمة في الرواية،  بداية من السارد والمتمثل في حوالي “27” شخصية تقوم بدور السارد،  غالباً بضمير المتكلم،  يضع كل منهم حجر في بنية الرواية،  يختلف حجمه على حسب دوره وأهميته في النص، ومنهم حجر الزاوية التي أفرد لها الكاتب مقاطع عديدة،  وهما شخصيتا “أمل”و”أحمد”، فأمل كما يطلقون عليها”المخ” وأحمد”الفيلسوف”، بالإضافة إلى صوت الكاتب نفسه،  والذي يظهر غالباً ليقوم بالتعليق على صوت أو لافتة مكتوبة متخذاً الجانب المتأمل الفلسفي ومتخذاً ضمير المُخَاطِب غالباً أو كما يقال”الضمير الثالث”،  ليشرك القاريء فيستحضر الصوت الغائب والصامت دائماً،  وهو المتلقي،  ليتوقف قليلاً متأملاً كلمات الكاتب حين يحدثه عن أنواع الضحكات” السعادة والتعجب والاستنكار والمسموعة والمكتومة والمقروءة وغيرها”، أو يتوقف عند حبة الذرة وكيف تتحول إلى فشار في وصف دقيق  ؛  حبة الذرة التي تتحول إلى فشار بفعل الحرارة  والتي تكمن كانفراجة هائلة،  هل هي سعادة التغيير والوجود في الحياة بوجه مغاير أم أنها تقفز من الألم الذي يخرج من أعماقها متلألئة كالثلج،  ولك أيها المخاطَب أن تُأَّوِل كما شئت. أو يفسر حالة الفضول المستهجنة والتي تعتري البعض و ربما لا ينتج عنها أي موقف ايجابي،  وإنما الفضول والسلبية.

أوجه استخدامات الصوت ..استخدم الكاتب الصوت بمناحي عديدة ..

1-  ذكر إسم الصوت وارتباطه بالمصدر كـ”مواء القطة”و”عواء الذئب”و”شخير المعلم برهومة”و”طلق ناري” … وغيرها

2-  استخدام بعض المفردات التي لها وقع موسيقي له دلالته في علم الصوتيات كـ”يميمع”للدلالة على انغماسه في المعركة”المعمعة” وتأجيجها و”يتهته”… وهكذا.

3-  استدعاء الأمثلة من الموروث الشعبي والتي لها وقع موسيقي أيضاً لما تحتويه من جمل بها سجع كـ”عين الحسود فيها عود”و”يا ناس يا شر كفاية أر”و”الشكك ممنوع والزعل مرفوع”.

بل إن توحد الكاتب مع فكرة الصوت قد ظهرت بشكل جلي في بعض المواضع في الرواية،  كوصفه همهمة الخارجين من الصلاة في الفجر”تتهجد في طمأنينة”،  تشعرك بالجمال والصفاء يقابلها أصواتهم بطلوع النهار المتحولة إلى الصراخ،  بل إنه أشار إلى صوت يصدر من السيقان وهي تحتك ببعضها وبملابس المرأة “السموكن”،  ولم يكن ذكر الصوت من قبيل العجب باستخدام الفكرة بل إنه جاء في كل موضع بإضافة أساسية لوصف حالة أو شرح فكرة.

ومن التوظيف الجيد للصوت والذي أتى بشكل أدبي مبدع وصفه حالة “ماجدة” التي فقدت أمها وتبحث عنها في كل مكان،  فتحكي ماجدة أنها تندهش كون صوتها قد أصبح رفيعاً كصوت طفلة فيترك لدى القاريء إحساس شديد بالألم والتعاطف مع حالة الفقد والضعف الإنساني لهذه الفتاة.  ومن هذا التوحد المبدع أيضاً،  حين يصف البكاء المكتوم عندما يتحول إلى دموع في عين إنسان”صوت البكاء فر من جفنيه”،  لتجد نفسك فجأة وقد رأيت صوت البكاء عوضاً عن سماعه.

4- أيضاً استخدم الأصوات بذاتها” حا..هس..آه .. الخ”  وبوصفها أحياناً أو وصف الفعل المؤدي لظهورها؛  مثل وصفه للطريقة التي تحرك بها النساء ألسنتهن حين الإعلان عن الفرحة بما يسمى”زغرودة”

الموروث الشعبي وبطولة المكان

استخدم الكاتب الموروث الشعبي بكل أشكاله والمتمثل في الحارة الشعبية؛  كالتعبيرات الدارجة “لمض، مالكيش في الرجالة،خياطة نص كم، تطقس، ألاضيش… وغيرها”

نداءات الباعة الجائلين،  والألفاظ الخارجة من السباب،  والأفعال المشينة أيضاً،  مثل خلع الملابس أمام العامة “وهي عند الطبقات الشعبية دلالة ليس فقط على الاستعداد للشجار بل على التبجح في الشجار حد الموت”. واستخدم أيضاً الرسومات على الجدران مثل “السفينة والطائرة” للدلالة على السفر لزيارة الأماكن المقدسة.  والأشياء “الحجر الداير لطحن الفول والمشنة والعداية ووابور الجاز والطاسة .. وغيرها”

الكتابة على الجدران .. صرخة وحلم

بدأ الكاتب في استدعاء فكرة الكتابة على الجدران من السطور الأولى للرواية،  حيث استدعى الشخصية الشهيرة والمعروفة في الاسكندرية في فترة معينة وهو “جمال الدولي”،  أشهر شخصية كتبت على الحوائط في الشوارع في تحدٍ سافر للنظام،  ظهر في وقتها أنه أقرب لغياب العقل حين كتب على الجدران أنه يترشح لرئاسة الجمهورية.

استدعاء فكرة الكتابة على الجدران هو مسألة أصيلة في الرواية لأن الرواية كما أراها صرخة،  لا تتبدى فقط في الأصوات،  لكنها أيضاً في الكتابة، فالكتابة هي بداية التاريخ،  المصري القديم سجل حياته على الجدران، وباختراع الطباعة أصبحت الكتابة في الكتب على الورق،  لكن ظلت الجدران هي وسيلة الانسان البسيط التلقائية والشعبية والإعلان الآني عن حالة الاعتراض، فاستخدمها الناس في أيام الثورة للتعبير عن آرائهم ورسم الشباب الجرافيتي على الجدران والأسفلت،  وهو أيضاً تعبير عن أفكار كامنة في عقول البعض في بعض الأماكن،  وقد عبر عنها الكاتب في عادة الكتابة على جدران المراحيض بما تحتويه من معاني واضحة بما هو مكبوت أو منقوص. وذكر أيضاً الكتابة على اللافتات،  وعلى العربات. وقام بتوظيف اللافتات لخدمة بعض الأفكار مثل وقوف أحمد أسفل يافطة “بكرة ببلاش” عند محل الجزارة وهو ينتظر منى، إشارة لانتظار ما لا يجيء.

بوح الألوان ..

لا تأتي الألوان هنا عبثاً،  إنها تطل عليك من اللافتات والسيارات والجدران والمحال وغيرها، فتلقي بظلالها كتوطئة،  تسبق الكلمات..

يافطة”جمال الدولي” للترشح للرئاسة نجد إسم جمال الدولي باللون الأزرق،  واللون الأزرق يستدعي هنا المعارضة، يستدعي الحرية،   إنه أصحاب الياقات الزرقاء وفكرة العدالة الاجتماعية وموسيقي الـ” bluse “التي عزفها العمال في الشوارع ،  ،  ثم “مرشح” باللون الأحمر كنذير بالخطر،  ثم “رئاسة باللون الأخضر الفاتح”.

أيضاً “بكرة ببلاش” اللافتة المعلقة على محل الجزارة باللون الأحمر،  “سيبها لله”  يضعها السائق على السيارة باللون الأبيض،  ويافطة المأذون باللونان الأبيض والأسود،  وكل هذه الألوان كاشفة لمدلولها.

ما بين ضرورة التصريح وذكاء التلميح ..

كان الكاتب واضحاً تماماً في عرض الآفات الاجتماعية بالتصريح المباشر حتى بدت فجة مثيرة للغثيان في مواقف كـ” ممارسة الشذوذ الجنسي لبعض الشخصيات” وخيانة النفس قبل المجتمع بوضع لافتة “مغلق للصلاة” بينما يمارس الرذيلة داخل السوبر ماركت،  أو أن الحاجة سعاد تقوم بتأجير غرفة في منزلها لممارسة الدعارة،  أو أن “حودة” عامل السكة الحديد يقوم بسرقة القضبان متسبباً في حدوث كارثة،  مستهيناً بأرواح الناس.  وهو لا يقدم للقاريء أي مبررات،  حيث أنها أفعال لا يمكن للنفس السوية أن تتسامح معها،  بينما يقدم مبررات لكل حالة بما مرت به وما تعرضت له في نشأتها من أمور فُرضت عليها وأدت لتكون الشخصية على شاكلتها أو وجود بعض الصفات الغير محببة للآخرين،  مثل شخصية”أشرف جوابات” فأبوه يتصنت على الجيران وأمه تحيك المؤامرات وهو يفتح الخطابات ليتعرف على أسرار الناس.. وهكذا.  وعلى الجانب الآخر استخدم الإشارات فضلاً عن التصريح المباشر أحياناً،  فـ”يافطة المأذون”  تساقطت حروفها ولم يتبق منها إلا أحرف قليلة وأحمد يحاول إكمال الحروف الناقصة ويصر على قراءتها صحيحة وكاملة،  بينما الأولاد في المدرسة المشتركة القريبة منها يقذفونها بالكرة في محاولة منهم لاسقاطها؛  في الاشارة لحالة المجتمع في الوقت الراهن،  والعميد قد أعطى”صلاح العليمي” شهادة إتمام الخدمة العسكرية، تاركاً درجة الأخلاق فارغة ليضع فيها ما يراه في نفسه،  وأحمد يصنع من علب الكبريت منزلاً،  ناظراً لصندوق الأمشاط المرسوم عليه رجلاً أصلع.  وصوت الحصان الذي يستدعي أمجاد الفرسان في أحلام أمل، يقابله الحصان الذي ما عاد يفعل شيئا سوى أن يُجَر.

التشكيل البصري في الرواية

استخدمت بعض خيارات الكتابة بلون أسود عريض bold ،  فظهرت سطور الرواية ما بين اللون العادى والأسود الغامق،  وقد اختص بها الجزء الفلسفي المتأمل بلسان الكاتب،  وإن كنت أعتقد أنه قد حدث خلط في استخدام هذه التقنية،  فنجدها أحياناً في جمل على لسان “أمل” وهي تحمل نفس الجانب الفلسفي،  وهي موجودة أحياناً بشكل غير ممنهج في مواضع متعددة من الرواية بشكل ربما أخل من الغرض من استخدامها،  وأظن أنه كان من الممكن الاستغناء عنها.

ملاحظات:

1- جاء الغلاف ظالماً للرواية حيث لم يكن معبراً أبداً عنها، فلا يمكن لرواية كهذه أن يكون غلافها باباً تفتحه امرأة، تميل ممسكة بالباب ويحيط بها ظلمة، بل إن ثراء الرواية ملهم لغلاف أكثر عمقاً وتعبيراً عما تحويه من أفكار وقضايا.

2- إستخدام الياء مكان الألف المقصورة في الرواية كلها وليست مجرد خطأ أو أكثر.

3- شخصية جمال الدولي هي شخصية حقيقية،  وأعطاها الكاتب بعض من خياله حيث أنه لم يكن معروفاً تماماً قصته الحقيقية،  لكن في الرواية يستخدم جمال الدولي خطاط، والمعروف أنه كان يكتب بنفسه ما يريد.

4- جاء عدد الشخصيات كبيراً،  وكنت أفضل أن تكون الشخصيات التي تقوم بالسرد أقل عددأ، بل إن بعض الشخصيات لم تضف في السرد مثل شخصية “ثناء” رغم أنها تأخذ مساحة من الرواية نصف صفحة لكنها لم تضف لما يقال عنها على لسان الآخرين سوى شيء لم يكن يستطيع أحد أن يقوله سواها، وهو ارتداؤها للملابس التي تقوم بخياطتها وهي مغلقة نافذتها، لكنه لم يضف، حيث كان من الممكن الاشارة لرغبتها في الزواج دون اعطائها مساحة خاصة للحكي،  بل إنها لم تكن كشخصية “عوض” حتى التي جاء بها الكاتب لا لذاتها، لكن كحيلة عن طريقها يتم إضافة بعض المعلومات ليخبرنا بما هو مخفي ولا يعلمه أحد من الساردين، مثل سر اختفاء أخو ثناء أو بعض الأسرار الأخرى التي لا يعرفها الآخرون.

وعودة إلى الصوت،  هل هو الصوت الذي يدغدغ الحواس؟- يسأل الكاتب-  أو أن الأعماق التي تصدر الأصوات كي تنبهك أن هناك حياة أخرى تعيشها كائنات لا نعلمها؟

يجيب الكاتب “وما حياتنا إلا جزء صغير من عوالم كثيرة تملؤها الأصوات التي غالباً تصدر من الأعماق”

إنها الأصوات التي تخبرنا عن الآخر وتخبر الآخر عنا فيحدث هذا التلاقي والتلاحم،  تحدث الحياة في امتزاج الأصوات والألوان واللافتات ورسوم تحكي تاريخ كُتب بدماء ،  وتخلد ذكرى وكلمة هي صرخة ألم أو رغبة مكبوتة أو دمعة خبأتها جفون لا تنام.

النهاية ..  صوت حزين ..

تبدأ الثورة بصوت واحد ربما،  المستسلمون يتساءلون من الذي أجج الفكرة،  يبدأ سكان الشارع في الشك كل في الآخر،  يتهمون بعضهم البعض،  كل يرى في الآخر عميلاً للنظام،  لكنهم في النهاية يموتون الواحد تلو الآخر وهم يتعاطفون معاً،  على وجه التحديد يموت الشباب،  تموت أمل وتنتهي الرواية بموت أحمد،  وتبقى كلمات الكاتب أن الصوت باق دلالة على بقاء الحياة رغم أنف الذين يحاولون قهرهم،  لكن الحقيقة أنها كلمات،  جاءت مجرد كلمات كان أقوى منها المشهد السابق لها،  مشهد حزين لأناس يحاولون الحياة.

التعليقات

اترك تعليقاً