الخامات ومفاهيمها التعبيرية في فنون ما بعد الحداثة

الخامات ومفاهيمها التعبيرية في فنون ما بعد الحداثة
Ali Hassoun
كتب: آخر تحديث:

رغم ابتكاراته وخاماته المستفزة والمثيرة للجدل التعبيري، إلا أن تاريخ الفن المعاصر بات يعتبره أهم من فتحوا المنافذ البصرية والجمالية على الخامة وفلسفتها التي قادت نحو التدقيق في الصور الماورائية في مقاصدها ودلالاتها، فمنذ ابتكاره التعبيري الغريب صاغ الفرنسي “مارسيل دوشامب”، من الخامة، المفهوم والرؤية التعبيرية، التي أصبحت سمة فنون ما بعد الحداثة في تكوينها الفني وباتت تعرف بالحيوية والغرائبية والاختلاف والتمرد التعبيري، وهو ما صاغ معها الاستمرارية البحثية التي خرجت من المكونات الرئيسية إلى الفضاء ليصبح الانسان مُنطلَقا وذاتا رئيسية هي من تحوم حولها المفاهيم الجمالية وتُستخلص منها الخامات في تعابيرها البصرية.

 

فكيف حوّلت المرحلة المعاصرة الخامات الهامشية واللافنية إلى عناصر أساسية في صياغة التعبير المابعد حداثي؟

في فنون ما بعد الحداثة لم تعد المادة أو الخامة، تتميّز بالجمود، لأنها استطاعت أن تستصيغ الحركة وتتوافق مع النبض التوظيفي للفعل الفني في سياقاته التي ساهمت في توجيه الفنان وفتح أفقه على فضائه.

 

*أيمن بعلبكي

 

وبالتالي كوّنت الخامة لديه علاقة جدلية في التنفيذ الإبداعي بين واقعه وخياله وبين موقفه الذاتي الفردي والجماعي ومدى تمسّك المتلقي به من حيث الفهم والإفهام والهدف الذي يثير ميتافيزيقيا الفكرة جماليا ونفسيا واجتماعيا.

 

 

*Ali Hassoun

 

وبذلك يتفاعل حضاريا في تماثلاته التعبيرية التي بحثت بدورها عن الابداع الحضاري والإنساني من مختلف جوانبه، حتى لو تراءى هذا الفن لبعض النقاد مستسهل التنفيذ أو فيه غموض في التلقي واقتصار المعنى على الرمز والحركة وكثافة الدلالات التي تحتاج بدورها لتفسير توضيحي.

 

*أشرف فواخري

 

فالمادة الخامة هي النتاج الأول في تماس الفكرة والمفهوم الذي يبدأ جدلياته مع عمق الفنان ليتماثل مع حركة المعنى وينتقل نحو الأداء الحركي والمسبّب اللامألوف للمعنى، وهنا تبدو مثل هذه الأفكار متجلّية في التجربة المفاهيمية لعدّة فنانين مثل تجربة التشكيليات السعوديات مها الملوح وفاطمة النمر وزهرة الغامدي في تجهيز الفراغ وابتكار المعنى من الصيغ التعبيرية للخامة بتوظيفها الفني أو اللبناني أيمن بعلبكي مثلا وهو يحوّل الملابس القديمة وحطام السيارات إلى أكداس قد تُرى للوهلة الأولى خردة بلا معنى ولكنه استدرجها لتفعيل الموقف الفني والإنساني إلى التعبير عن الحروب والتهجير والتنقل والتشرد، كما صياغة الخامة عند الفلسطينية بثينة ملحم حين حوّلت الأثواب القديمة إلى خارطة عبور متشابكة بالدبابيس حادة وخشنة بكل التكاثفات المُطرزة والأقمشة الملفقة في تفاصيلها الفاصلة بين الذاكرة والواقع.

 

 

buthina-milhem

 

فالجهد الإبداعي للفنان يحمل الشكل والمادة التي بدورها تتحمّل التجريب والتشكيل والفكرة وهو الجوهر التكويني الذي تحمله الأعمال التي تكوّن ذاتها وتتشابه مع عمقها من حيث الأداء الفردي، فالمنجز الفني الذي يتكوّن من القطع الجاهزة أو الأشلاء والنفايات والمواد اللامألوفة جماليا في التعبير الفني مثل الأثواب الممزقة والصور المحروقة والبلاستيك والزجاج والورق، التي تعتمد في الكولاج والأعمال المفاهيمية والأداء التجريبي والفيديو آرت وهي مواد تمتلك حسّياتها وتكوينها الجمالي الذي ينتشلها من واقعها المنحط أو السلبي المهمش إلى عمقها الإيجابي في الفكرة.

لقد حملت الخامات في فنون ما بعد الحداثة التجريب إلى أقصاه التعبيري من حيث التملّك الطبيعي لخصوصياتها حتى لو أنها تجاوزت المدى المتوقّع منها كصور جمالية مألوفة لأنها بدرجة أولى لم تنفصل عن الفن وفكرته التأسيسية بل انطلقت بعمقه وخصّصت لرؤاها مواقف جمالية من واقعها وتفاصيله التي بدورها حملت من السوداوية ما حملته الحرب العالمية الثانية رغم ما تقترحه رموزها من مقاومة وأمل إلا أنها لم تنفصل عن الفن ولا عن واقعها كما التجريب المعاصر الفلسطيني والعراقي والجزائري والتونسي والآسيوي في تفاصيل حملت جوانب السياسي والنفسي والاجتماعي.

 

 

Mary Tuma

 

وهو ما بدا في هذه التجارب من أن ظهرت في فترة الستينات مجموعة من حركات التجديد الفني التي ارتكزت بالأساس على الجذور الحداثية للفنون لتتجاوز الحداثة بالتحديث من خلال التسارع التقني والتعبيري والواقعي والفلسفي والحسي والايديولوجي وهو ما ساهم بشكل كبير في خلق تطرف قلب موازين الفنون وحوّلها نحو فنون “البوب آرت Pop-Art ” و”الفن البصري-Op.Art” و”هايبيررياليزم” و”الفيديو آرت” ورغم أن النقاد والمؤرخين يرون فيها ارتكازا على التجريد والسريالية والمستقبلية إلا أنها فعّلت مساراتها وتجدّدت معها من حيث الخامات والتجريب فالأسلوب هو الذي أعاد تشكيلها وبناها على قوّة الخامة وغرابتها وصدمتها وصدامها مع المألوف الجمالي وبالتالي استطاع فنانو ما بعد الحداثة أن يحوّلوا الخامات العادية التي قد لا تحمل أي أهمية فكرية وحتى غرضية إلى مواد تشكيلية وجمالية لها مواقف ومدلولات ومقاصد وعلامات فنية.

 

*راجي الكوك

 

إن الميزة التي عمل فنانو ما بعد الحداثة على تثبيتها في التشكيل التعبيري تكمن في البحث عن الخامة والتجريب الفني والعلمي والتكنولوجي والتقني لها لذلك ارتبطت بالتطور من كل النواحي الصناعية والتقنية والعلمية والإعلامية والرقمية والافتراضية وهو ما مكّن الجمهور المتلقي بمختلف مستوياته من استيعاب التطوير فيها من منطلقاتها التقنية بفضول بحثي عن كثافة المعنى من الخامة نفسها.

 

 

*رولا حلواني

 

*الأعمال المرفقة:

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

 

التعليقات

اترك تعليقاً