في ذكري بناء السد العالي.. كلمة الرئيس جمال عبد الناصر

في ذكري بناء السد العالي.. كلمة الرئيس جمال عبد الناصر
السد العالي
كتب: آخر تحديث:

كلمة الرئيس الراحلرجمال عبد الناصر فى أسوان بمناسبة البدء فى بناء السد العالى

٩/١/١٩٦٠

أيها المواطنون:

الحمد لله فهذا هو السد العالى؛ سدكم العالى الذى طال انتظاركم له وعملكم من أجله، هذا هو السد العالى الذى كافحت الأمة العربية كلها على اختلاف شعوبها لتراه يتحقق، وإنه ليسعدنى ويسعدنا جميعاً أن يشترك معنا فى هذه المناسبة العزيزة على قلوبنا جلالة الملك محمد الخامس (هتاف).. يشترك معنا فى هذه المناسبة جلالة الملك محمد الخامس ملك المملكة المغربية الشقيقة المكافحة؛ التى كافحت تحت قيادته فى سبيل استقلالها وحريتها وكرامتها، واستطاعت أن تحصل بقيادته على الحرية والكرامة والاستقلال.

أيها الإخوة:

هذا هو السد العالى الذى دارت من حوله المعارك، وحارب من أجله الأبطال، هذا هو السد العالى الذى شهد كل هذا الكفاح واستحق كل هذا الكفاح لا بسبب قيمته الذاتية فحسب، ولكن بسبب معناه كرمز لتصميم الأمة العربية كلها على أن تسير فى بناء وطنها الكبير المتحرر.

إن الذين حاربوا – أيها الإخوة – ليحققوا الأمل، والذين كافحوا ليحولوا الأمل إلى حقيقة، والذين لم يرهبهم النار والحديد، لم يفعلوا ذلك كله لمجرد استخلاص مليون أو مليونى فدان من براثن الصحراء فحسب، ولا لمجرد الحصول على ١٠ ملايين كيلو وات من الكهرباء فحسب، وإنما فعلوا ذلك تحقيقاً لإرادتهم المستقلة التى انتزعوها انتزاعاً من قبضة الطغيان والاحتلال والاستبداد والسيطرة. وما من شك – أيها الإخوة – أن الأرض الجديدة التى سنحصل عليها من السد العالى هدف بالغ الأهمية، كذلك ما من شك أن طاقة الكهرباء التى سنحصل عليها من السد العالى هدف آخر بالغ الأهمية، ولكن القيمة الكبرى للسد العالى هى قيمته كعزم وإرادة وتصميم، قيمته الكبرى أنه عزم أصر عليه أصحابه بعد أن استبانوا طريقهم وعرفوه وصمموا عليه، وصمموا على أن تكون العزة والكرامة طريقهم إليه، لا ضعف ولا وهن ولا تخاذل.

وإنى أذكر – أيها الإخوة المواطنون – حينما أممت القنال فى سنة ٥٦، وحينما كانت هناك الصعاب الكبيرة التى تقف أمامنا فى بناء السد العالى، وحينما تحدثت إليكم من الإسكندرية فى هذه المناسبة، أذكر أنى قلت لكم إننا سنبنى السد العالى، ولكننا قبل أن نبنى السد العالى لابد أن نبنى سد العزة والحرية والكرامة، وحينما نبنى سد العزة والحرية والكرامة فلابد أن يتحقق الأمل، ولابد أن نبنى السد العالى.. وقد بنيتم – أيها الإخوة المواطنون – سد العزة والحرية والكرامة بكفاحكم وقتالكم وصبركم وتصميمكم وإرادتكم وعدم خوفكم.. وعدم خوفكم من الدول الكبرى ومن كل التهديدات، وانتصرتم فى معركة بناء سد العزة والحرية والكرامة.. واليوم – أيها الإخوة – تنتصرون فى بناء السد العالى.

إن الأهداف – أيها الإخوة – التى لا تحققها العزة والكرامة لا تساوى عناء الكفاح من أجلها فإن الطريق الذى نسلكه فى غايتنا يجب أن يتناسب فى جلاله مع هذه الغايات، ولقد كان أعظم ما عزم شعبنا العربى على النجاح.. عزمه على النجاح أن اختار أصعب الطرق، لا لأنه أصعب الطرق ولكن لأنه أشرفها وأكثرها استقامة وأكثرها اتساقاً مع الهدف الذى نسعى إليه؛ قيمته الكبرى أنه إرادة حررها أصحابها، ثم كرموها، ثم صمموا على أن يسيروا فى طريقها، ثم صمموا على أن يجعلوا هذه الحرية عاملة.. مستمرة.. طاقة مشتعلة، فلم يعطلوها بعد أن تحررت وإنما توجهوا بها وتوجهت بهم ليكتبوا أروع الصفحات فى تاريخ كفاحهم، يواجهوا عهد البناء ليعيدوا صنع حياتهم على أساس يرتضونه بعد أن ظلوا طويلاً فى حياة فُرضت عليهم فرضاً من السيطرة الداخلية والسيطرة الخارجية.. السيطرة الداخلية المستغلة والسيطرة الخارجية المستبدة. قيمته الكبرى – أيها الإخوة – أنه تصميم بلورنا به قدرتنا على المقاومة وانتصرنا وأثبتنا أننا نستطيع الصمود للعواصف، وصمدنا للعواصف وعشنا فيها ثم عشنا بعدها؛ صمدنا للعدوان وعشنا فى العدوان، ثم عشنا بعد العدوان لنحقق الهدف الذى صممنا عليه، ولنبنى أوطاننا فى النصف الثانى من القرن العشرين بوسائل النصف الثانى من القرن العشرين.

هذه – أيها الإخوة – هى القيمة الكبرى للسد العالى بالنسبة للأمة العربية كلها، إن الشعوب تقيم النصب التذكارية تخليداً لانتصاراتها الكبرى، وإننا لنعتبر أن السد العالى هو النصب التذكارى لمعركة العرب، وانطلاقة القومية العربية لتحقق دورها التاريخى ودورها الإنسانى.. إنه تذكار – أيها الإخوة – يتناسب فى ضخامته، ويتناسب فى فوائده، ويتناسب فى آثاره مع عظمة الأمة التى أنشأته، إنه تذكار حى خلاق وليس مجرد حجر أصم تلقى الزهور من حوله فى المناسبات، إنه حياة جديدة متجددة، إنه قوة دافعة للتطور، إنه عون وذخر وسند فى معارك طويلة على طريق طويل من أجل تحقيق الأهداف العربية الكبرى، ثم هو حافز مستمر يذكر أمتنا بأنه ما من شىء يعز عليها مناله أو يبعد عنها طلبه، إذا ما عزمت وأرادت وصممت، بل إننا لنثق أن هذا السد العالى سوف يكون حافزاً مستمراً لأمم كثيرة غير أمتنا العربية، أمم كثيرة فى إفريقيا التى ينبع من قلبها هذا النيل العظيم، وفى آسيا التى تمتد إليها جمهوريتنا العربية المتحدة المنتصرة.

وأنا أذكر – أيها الإخوة المواطنون – حينما واجهنا العقبات فى سبيل بناء هذا السد العالى، وحينما كان يظهر للعالم أجمع أن لا سبيل لنا فى أن نبنى هذا السد العالى الذى أعلنا تصميمنا على أن نبنيه، وحينما أخبرتكم بذلك، وحينما طلبت منكم أن نقدم جميعاً العرق والدم والروح فى سبيل تحقيق هذا الهدف، وحينما طلبت منكم أن نعتمد على أنفسنا وعلى إرادتنا وعلى قوتنا، وحينما كانت تظهر الصورة من حولنا صورة مظلمة قاتمة؛ كان الأمل يملأ قلب هذا الشعب، وحينما خرجت بعد إلقاء هذا الخطاب كانت هناك صيحة كبرى تعم الجماهير بين أرجاء الإسكندرية، ثم بعد ذلك بين أرجاء القاهرة وبين أرجاء كل بلد وصلتها أو زرتها فى طريقى من الإسكندرية إلى القاهرة، وكانت هذه الصيحة الكبرى إنما هى تعبير عن أمل وتعبير عن تصميم وإرادة؛ كان كل فرد فى كل مكان وكانت الجموع فى كل مكان تهتف من أعماق قلوبها، إننا سنبنى هذا السد.. وأصبحت كلمة شعبية بل أصبحت أغنية شعبية.. “حنبنى السد.. حنبنى السد بسواعدنا وقلوبنا”.

واليوم – أيها الإخوة – يظهر هذا الأمل، اليوم – أيها الإخوة – وأنا أقول الجمهورية العربية المنتصرة؛ فإنما أعنى أن آمالكم قد انتصرت، وأن تصميمكم قد انتصر، وأن عزمكم قد انتصر، وأن الروح العالية التى جابهتم بها هذه الأيام العصيبة وأن الروح العالية التى جابهتم بها التهديد والحصار، هذه الروح تجد اليوم ثمارها، تجد اليوم فى هذا المكان – فى أقصى الجنوب من الإقليم الجنوبى للجمهورية العربية المتحدة – تجد رمز تحقيقها وتجد رمز تصميمها وتجد رمز إرادتها، تجد هذا الرمز فى البدء فى بناء هذا السد العالى.

أيها الإخوة المواطنون:

إن هذا العمل – كما قلت لكم – له معنى كبير، إنه له معنى عظيم؛ وهذا المعنى أن الأمم مهما صغرت فإنها تستطيع أن تعمل الأعمال الكبار.. تستطيع أن تعمل هذه الأعمال الكبار إذا اتحدت إرادتها، وإذا عقدت عزيمتها، وإذا صممت، وإذا كافحت فى سبيل وضع أهدافها فى موضع التنفيذ. وإنكم – أيها الإخوة – بهذا العمل الجبار؛ بهذا الصبر والعمل والتصميم والكفاح أعطيتم المثل للعالم أجمع أن الأمم الصغرى تستطيع أن تضع إرادتها موضع التنفيذ رغم إرادة الدول الكبرى ورغم إرادة الاستبداد والطغيان الخارجى، أن الدول الصغرى إذا عقدت إرادتها وإذا صممت، وإذا صممت على أن تضحى وتبذل الأرواح والدماء فى سبيل أهدافها الكبرى؛ فإنها تستطيع أن تصل إلى أهدافها الكبرى رغم الأساطيل ورغم الطائرات، ورغم العدوان، ورغم التهديد، ورغم الحصار، ورغم الصفحات المظلمة التى تحيط بنا. إننا استطعنا بصبرنا وكفاحنا، واستطعنا بتصميمنا على أن نضع إرادتنا موضع التنفيذ أن نبدد هذا الظلام، وأن نقضى على هذا العدوان، وأن نسير فى طريقنا لنرى الهدف الكبير الذى عملنا من أجله يظهر ويتحقق.

إن هذا – أيها الإخوة – إنما هو مثل لجميع الدول فى جميع أنحاء العالم، إن السد العالى الذى نبدأ اليوم العمل فيه إنما هو حافز مستمر لكل الأمم فى إفريقيا وآسيا؛ يذكرها دائماً أن الشعوب الصغيرة مهما تضاءل ما تملكه من معدات الدمار الذرى تستطيع أن تقوم دائماً بأعظم الأعمال الإنشائية، وتستطيع – ولو اقتضى الأمر – أن تحفر طريقها ولو بأظافرها.. تستطيع أن تحفر هذا الطريق ولو بأظافرها ودمائها فى وسط الصخور.

لقد استطاع شعبنا – أيها الإخوة – وليس هو أقوى الشعوب بالسلاح، وليس هو أغناها بالمال.. استطاع أن يتصدى لبناء أكبر سد فى العالم وفى التاريخ، وأن يفعل ذلك فى ظروف بالغة الصعوبة، ووسط أخطار وصلت إلى معركة مسلحة بالغة العنف والضراوة، فلما حمل السلاح وصمد للقتال وانتصر فيه جرت بعد هذا – أيها الإخوة – محاولات كثيرة لهزيمته، محاولات لحصاره؛ لحصاره حتى يتحقق ما عجز السلاح عن تحقيقه من ذلك، لعل الجوع – أيها الإخوة – يفتت من عزمه، ولعل الجوع يحقق ما عجز السلاح عن تحقيقه. ولكن الشعب الصغير.. الشعب الصغير استطاع أن ينتصر فى حرب السلاح ويرغم قوى العدوان على التراجع مندحرة مهزومة منكسة الأعلام، ثم استطاع أيضاً أن ينتصر فى حرب التجويع، بل أن يبدأ فى أكثر أوقاتها شدة خطواته الأولى فى طريق التصنيع.

وكلنا نعلم – أيها الإخوة المواطنون – أننا قررنا ونحن نواجه الحصار، ونحن نواجه حرب التجويع أن نبدأ مشروع السنوات الخمس للصناعة، وقررنا أن نستثمر ٣٠٣ مليون جنيه للصناعة، ثم قررنا رغم هذه الظروف التى كانت تحيط بنا، والتى كانت تظهر من حولنا؛ ظروف الحصار الاقتصادى وتجميد أموالنا – ظروف التجويع وظروف الضغط – أن نقلل مدة الخمس سنوات ليتم مشروع الخمس سنوات فى سنتين، واستطعنا رغم هذا كله أن ننتصر وأن نضع إرادتنا موضع التنفيذ؛ لأن إرادتنا قد تحررت، ولأننا بنينا فعلاً السد العالى للعزة والحرية والكرامة. استطعنا فى هذه الأيام أن نسير فى التصنيع، ولم ترهبنا التهديدات، ولم يرهبنا الحصار، ولم يرهبنا التجويع، وحققنا فى هذه الفترة التى مرت بنا، والتى كانت من أشد الفترات على أمتنا؛ أن نحقق فيها أعظم الأعمال، وأن نحقق فيها أكبر الأعمال، ونسير فى طريقنا لنحقق الهدف الكبير الذى صممنا على أن يتحقق.. هذا الهدف هو السد العالى.

وسرنا – أيها الإخوة – أيضاً فى طريق إقامة اقتصاد متحرر من أساسه على أضخم الدعامات وأصلبها، ولم يرهبنا التهديد ولم يرهبنا العدوان على أن نقرر أن نضع إرادتنا ومشيئتنا موضع التنفيذ؛ بأن يكون اقتصادنا اقتصاداً حراً، وطنياً قومياً، سليماً عربياً؛ فعرّبنا الشركات الأجنبية التى كانت تتحكم فى اقتصادنا، عرّبنا البنوك بل أممناها، وعرّبنا شركات التأمين وأممناها، ثم أصبح الاقتصاد الوطنى فى هذه الأوقات العصيبة – الاقتصاد الذى كان يتحكم فيه الأجنبى – اقتصاد وطنى ينبع من إرادة هذا الشعب، وسرنا فى هذه الأوقات الصعبة وهذه الأوقات التى كنا نكافح فيها من أجل حريتنا؛ سرنا جنباً إلى جنب لنكافح من أجل الحرية والاستقلال، ثم لنصد العدوان ونهزم المعتدين، ثم لنبنى الاقتصاد الوطنى القومى العربى المتحرر، ثم كنا ننظر إلى الأمام حتى نرى هذا السد الذى بدأت المعارك من أجله.. نراه وهو حقيقة واقعة قائمة.

واليوم – أيها الإخوة – يحق لنا أن نفخر؛ فقد استطعنا أن نحقق الاستقلال، ثم استطعنا أن نثبت هذا الاستقلال، ثم استطعنا أيضاً فى نفس الوقت أن نقضى على العدوان؛ عدوان الدول الكبرى، ثم استطعنا أيضاً أن نسير فى برامج التصنيع، واستطعنا أن نقيم الاقتصاد الوطنى العربى القومى المتحرر، ثم استطعنا أيضاً أن نسير فى طريقنا لنطور بلدنا، ثم اليوم – أيها الإخوة – نرى أننا نحقق الهدف الذى كنا نأمل أن نحققه فى عام ٥٦؛ نرى أننا نحقق السد العالى.. هذا البناء الكبير.. البناء الضخم، البناء الذى هو تعبير عن انتصار إرادتكم وانتصار مشيئتكم.

هكذا – أيها الإخوة – انتصر الشعب؛ انتصر لنفسه وانتصر لأمته، ثم انتصر لأمم أخرى كثيرة فى إفريقيا وآسيا تواجهها معارك الحرية الكبرى، وتواجهها معارك ما بعد الحرية من أجل البناء، ثم انتصر أيضاً لمعارك كثيرة تدور بين أرجاء العالم العربى من أجل الحفاظ على قوميته، ومن أجل الحفاظ على حقه فى الحرية والحياة؛ هذه المعارك التى تمتد من الخليج العربى وتمتد إلى المغرب العربى.. هذه المعارك التى تمتد من عمان على الخليج العربى وتمتد إلى الجزائر فى المغرب العربى.. هذه المعارك التى كافحتم أيضاً من أجلها، والتى حملتم دائماً علمها، والتى أعلنتم جميعاً أنكم تؤازروا أبناءها العرب فيها بدمائكم وأموالكم وأرواحكم، هذه المعارك التى تمتد فى فلسطين العربية من أجل الحفاظ على القومية العربية من الضياع والانهيار، هذه المعارك التى يعلم كل فرد من أبناء هذا الشعب أنها معركته؛ فإن أى معركة فى أى جزء من أجزاء الأمة العربية إنما هى معركتنا ومعركة كل فرد منا.

بهذا التضامن وبهذا الاتحاد – أيها الإخوة – نستطيع أن ننتصر، ولا يمكن أن ننسى أن الشعوب العربية فى جميع أنحاء الأمة العربية، من الخليج العربى إلى المحيط الأطلسى، قد ساندتنا فى معاركنا ووقفت معنا فى معاركنا وكان كل فرد من أبناء الأمة العربية يشعر أن هذه المعركة هى معركته. وأنا أعتقد من قرارة نفسى – أيها الإخوة المواطنون – أن كل فرد من أبناء الأمة العربية فى جميع أرجاء الأمة العربية، يشعر اليوم أن بناء هذا السد إنما هو نصر له ونصر لإرادته ونصر لكفاحه، ونصر لمساندته لأبناء الجمهورية العربية المتحدة حينما كافحوا العدوان، وحينما كافحوا الحصار الاقتصادى، وحينما صمموا على أن يسيروا فى معاركهم حتى النصر.

أيها الإخوة المواطنون:

هذه هى القيمة الكبرى للسد العالى؛ قيمته لشعب الجمهورية العربية المتحدة، قيمته للأمة العربية جمعاء، قيمته لأمم إفريقيا وآسيا. وها نحن اليوم نحتفل ببدء البناء فى السد العالى، ونحتفل به فى رضاً لا يشوبه الزهو أو التفاخر.. نحتفل به فى رضاً يدفعنا إلى خطوات أوسع ولا تقيد حركتنا بالوهم أو بالغرور.. نحتفل به لأنفسنا ونحتفل به للذين صنعوه منا وللذين سيبقى السد العالى أمامهم نموذجاً دائماً خالداً.. نحتفل به – أيها الإخوة – والوفاء ملء قلوبنا تقديراً للذين ساعدونا؛ ذلك أنهم أعانونا على البناء، بل إننا نحتفل به دون حقد على الذين حاربونا؛ ذلك أنهم أتاحوا لنا الفرصة حتى ننتصر وأن يكون انتصارنا اعتماداً على أنفسنا. تصميمنا على أن نبنيه بأنفسنا فى بلدنا المتحرر، تصميمنا على أن نسير فى الطريق الذى أردناه لأنفسنا.

إننا – أيها الإخوة – ونحن نحتفل ببناء السد العالى لابد أن نذكر الدولة التى قبلت أن تساعدنا فى هذا العمل؛ ساعدتنا بقرض من أجل البناء، ثم ساعدتنا بمعونة فنية من أجل البناء.. ذلك هو الاتحاد السوفيتى. وإن مساعدة الاتحاد السوفيتى لنا بإعطائنا قرض بناء المرحلة الأولى للسد العالى، والمساعدة الفنية فى بناء السد العالى، إنما كانت مساعدة خالصة غير مشروطة، مساعدة تمليها الصداقة وتمليها المودة التى تجمع بين الشعب العربى والشعب السوفيتى، وكانت مساعدتهم لنا صادقة إلى أبعد الحدود، لا قيد عليها ولا شرط بل لا عنت ولا إرهاق، وإنى أنتهز هذه الفرصة لأقدم باسمكم – باسم الحكومة وباسمى – العرفان لشعب الاتحاد السوفيتى وحكومة الاتحاد السوفيتى على هذه المساعدة. وأيضاً أعبر عن التقدير للفنيين الذين يعملون معنا من الاتحاد السوفيتى حتى يسير هذا العمل، وعلى تعاونهم مع إخوتهم المهندسين العرب على أساس من الصداقة والمحبة والتصميم على أن يتم هذا العمل فى أسرع وقت ممكن. وأنتهز هذه الفرصة لأعبر أيضاً عن تقديرنا جميعاً للمهندسين العرب وللعمال العرب الذين بدءوا العمل فى هذا السد والذين سيعملون فى هذا السد حتى يوضع موضع التنفيذ، وحتى يكتمل، والشعب العربى كله.. ونحن جميعاً ننظر إليهم بتقدير ووفاء وعرفان، وأنتهز هذه الفرصة لأعبر لهم عن الشكر وعن التقدير.

أيها الإخوة المواطنون:

إن العالم اليوم يمر بمرحلة حاسمة فى تاريخه.. يتجه نحو السلام ويتجه نحو التآلف، ويتجه نحو النظر إلى الدول التى فاتتها الفرصة فى الماضى، وإننا قد ساهمنا فى خلق هذا الجو؛ لأننا أثبتنا بتصميمنا وعزمنا وإرادتنا أن سياسة القوة التى كانت تتبع فى القرن التاسع عشر لا يمكن أبداً أن تنجح فى القرن العشرين، وأثبتنا بصمودنا فى العدوان الثلاثى الذى وقع على بلدنا، ثم أيضاً أثبتنا بتصميمنا ثم بوضع هذا التصميم موضع التنفيذ على بناء السد العالى، أن الدول الصغيرة لا يمكن أن تُهزم إذا اتحدت إرادتها وإذا صدقت عزيمتها، وقد اتحدت إرادتكم وصدقت عزيمتكم على أن تدافعوا عن حرية بلدكم، ودافعتم عن حرية بلدكم ضد العدوان وضد الغزو، وانتصرتم، ثم اتحدت كلمتكم وانعقدت عزيمتكم على أن تبنوا السد العالى الذى واجهنا كل الصعاب فى سبيل بنائه، وانتصرت إرادتكم ووضعت موضع التنفيذ.. وبنيتم السد العالى.

وبهذا – أيها الإخوة المواطنون – وضعتم مبدأً جديداً فى القرن العشرين؛ هذا المبدأ هو أن الدول الصغرى لا يمكن بأى حال أن تتخلى عن إرادتها الحرة أو أن تتخلى عن تصميمها، وأنها إذا صممت فإنما ستسير فى طريقها إلى النهاية لتحقق الهدف الذى تصبو إليه، وأن الأساليب التى اتبعت فى القرن التاسع عشر من أجل سيطرة دولة على دولة – دولة كبرى على دولة صغرى – إنما هى أساليب بالية ولا يمكن لشعب مهما كانت أسلحته محدودة أن يقبلها.

أثبتم – أيها الإخوة – فى سبيل الدفاع عن حريتكم كيف تدافع الأمم الصغرى عن حريتها، ثم أثبتم -أيها الإخوة – فى سبيل تصميمكم على بناء هذا السد كيف تستطيع الأمم أن تضع إرادتها موضع التنفيذ. واليوم ونحن نجابه هذه المرحلة الجديدة فى تاريخ الإنسانية والعالم أجمع، واليوم ونحن ننتظر أن يجتمع زعماء الدول الكبرى فى العالم، نعلم أننا وضعنا وأرسينا مبدأً كبيراً عالياً؛ وهو أن الدول الصغرى ستسير فى طريقها، وهو أن الدول الصغرى ستعمل من أجل تطوير اقتصادها.

واليوم – أيها الإخوة – نشعر بالفخر أن الدول الكبرى بدأت تحس وتشعر أن الدول لا يمكن أن تخضع، ولا يمكن أن تقبل السيطرة أو الاستبداد، ولا يمكن أن تكون داخل مناطق النفوذ، ولا يمكن أن تكون مزارع للمواد الخام، ولكنها تريد أن تأخذ دورها فى العالم ثم تأخذ دورها فى الحياة. اليوم أثبتنا هذا وشعرنا أن الدول جميعاً أخذت بهذا.. أخذت بهذا الدرس الذى أثبتناه للعالم أجمع فى كفاحنا من أجل حريتنا ومن أجل بناء السد العالى، هذا الدرس الذى بذلنا فى سبيل تحقيقه وفى سبيل إظهاره الشهداء والدماء، ولكنا نشعر أننا بهذا الدرس قد خدمنا الإنسانية جمعاء. إن الإنسانية جمعاء إنما هى متكاملة مترابطة، ولا يمكن أن تُفرق الشعوب ولا يمكن أن تُميز الشعوب، ولا يمكن أن يكون هناك لبعض الشعوب الحق فى التطور والمعيشة التى ترفرف عليها الرفاهية، وللبعض الآخر يؤخذ منها هذا الحق.. ولا حق لها فى التطور ولا يكون لها حق فى أن تعيش فى مجتمع ترفرف عليه الرفاهية.. اليوم نشعر بالفخر أننا كافحنا وأثبتنا للعالم أجمع هذا الدرس الكبير، وسنسير فى طريقنا، نعتمد على الله وعلى وحدتنا وعلى أنفسنا، والله الموفق.

التعليقات

اترك تعليقاً