العراق يخشى من حربٍ أمريكية ويُحذِّر الميليشيات من الاستفزاز.. فكيف يعيش السكان على وقع التهديدات؟

العراق يخشى من حربٍ أمريكية ويُحذِّر الميليشيات من الاستفزاز.. فكيف يعيش السكان على وقع التهديدات؟
مقتدي الصدر
كتب: آخر تحديث:

فور سماع حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العدواني الأخير عن إيران، يتبادر إلى أذهان العراقيين الأشهر التي سبقت الغزو الأمريكي لبلادهم عام 2003.

يقول المسؤولون العراقيون، القلقون من نشوب حربٍ أخرى على أرضهم، إنَّهم حذَّروا المجموعات المسلحة المرتبطة بإيران، من أجل الامتناع عن القيام بأي تحرك يمكن أن يؤدي إلى انتقامٍ أمريكي، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.

الحكومة العراقية حذَّرت الميليشيات من القيام بأي أعمال استفزازية

قال سعيد الجياشي، العضو البارز بمجلس الأمن الوطني العراقي: «شهد اليومان الماضيان اجتماعاتٍ متواصلة مع كل المجموعات، لنقل رسالة الحكومة العراقية بأنَّ أي طرف يُقدِم على عمل شيءٍ ما، فإنَّ تلك ستكون مسؤوليته هو، وليست مسؤولية العراق«.

وأضاف: «الحكومة العراقية مسؤولة عن حماية المصالح الأمريكية في العراق، وسنصبح عدواً لأي طرف يقوم بشيءٍ ضد المصالح الأمريكية».

وقالت إدارة ترامب مراراً وعلناً في الأسبوعين الماضيين، إنَّ إيران والميليشيات العربية الشيعية المتحالفة معها يخططون لضرب القوات الأمريكية في المنطقة، وإنَّ هذا التهديد تزايد مؤخراً.

أمريكا لم تكشف عن أي دليل يُثبت نية الميليشيات القيام بهجمات ضدها

ورداً على ذلك، أرسلت الإدارة حاملة طائرات وقاذفات بعيدة المدى، وبطارية صواريخ مضادة للصواريخ إلى الخليج، وحدَّثت خطط الحرب مع إيران. وأمرت وزارة الخارجية الأمريكية أمس الأربعاء 15 مايو/أيار عدداً من موظفيها «غير الضروريين» في العراق بمغادرة البلاد.

لم تكشف الولايات المتحدة عن أي دليل يدعم تقييماتها بشأن تزايد التهديد الإيراني، وإنَّ كان مسؤولون تحدثوا أمس الأربعاء عمَّا قالوا إنَّها صورٌ لصواريخ يجري تحميلها على زوارق إيرانية. وقال حلفاء الولايات المتحدة إنَّه في حين قد تُشكِّل إيران وحلفاؤها خطراً، فليس واضحاً ما إن كان هناك تهديدٌ جديّ على القوات الأمريكية.

وقادت هذه الادعاءات الكثيرين في المنطقة إلى عقد مقارنات مع قرار إدارة بوش خوض الحرب مع العراق عام 2003، على أساس مزاعم خاطئة بأنَّ صدام حسين كان يمتلك أسلحة دمار شامل.

يوجد في العراق حوالي 30 ميليشيا قوامها على الأقل 125 ألف مقاتل نشط ولها ولاءات مختلفة

عمل الكثير من تلك الميليشيات جنباً إلى جنب مع الجيش العراقي في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، وكلها تابعة لمكتب رئيس الوزراء.

يتركَّز القلق في العراق على بضع مجموعات لديها علاقات قوية مع إيران. يتمتع العديد من تلك المجموعات بعلاقات وثيقة مع الحرس الثوري الإيراني، ولديها أفراد تلقوا التدريب في إيران.

لدى العراقيين تخوف من عدم تمكن الحكومة السيطرة على المجموعات الموالية لإيران

قال صلاح العبيدي، المتحدث باسم رجل الدين الشعبوي ووسيط القوة في العراق مقتدى الصدر: «للأسف بعض المجموعات ترغب في أن تكون إيرانية أكثر من إيران نفسها. لدينا مخاوف بشأن إمكانية عدم تمكُّن الحكومة من السيطرة على المجموعات الموالية للإيرانيين، وهذه ستكون مشكلة كبيرة في العراق».

وقال إنَّ الحكومة عليها اتخاذ موقف أقوى ضد تلك المجموعات.

وأضاف: «لا يزال لا توجد خطة على الأرض حول ما ستفعله الحكومة، لا بد أن توجد في الجيش قواعد صارمة، يُعاقَب أي شخص ينتهكها أو يقوم بأي شيء خارج إطارها، لكن الحكومة لم تفعل ذلك».

وقال إنَّ العراق لا يمكن أن «يكون المكان الذي تُسوِّي فيه أمريكا وإيران حساباتهما».

صحيح أن ترامب يرغب في سحب قواته من الشرق الأوسط، لكن مستشاره يدعم الضربات العسكرية لإيران

لا تفارق أوجه التشابه مع عام 2003 أي أحد، لكن آنذاك دعم حلفاء مهمون للولايات المتحدة مثل بريطانيا وكندا واليابان إدارة بوش في ذهابها إلى الحرب، أمَّا عدائية إدارة ترامب الآن تجاه إيران فتُمثِّل موقفاً أحادياً بدرجة أكبر بكثير.

لطالما وصف ترامب حرب العراق بأنَّها خطأ، وقال إنَّ القوات الأمريكية يجب أن تنسحب من الشرق الأوسط وكافة مناطق العالم. لكنَّ مستشاره للأمن القومي جون بولتون يدعم الضربات العسكرية ضد إيران وتغيير النظام هناك. وبصفته مسؤولاً بوزارة الخارجية في عام 2003، كان يُنظَر إلى بولتون باعتباره واحداً من أكثر الأصوات صقورية فيما يتعلَّق بالعراق.

بعض العراقيين مطمئنون، فإذا كانت هناك حرب فستقع في الخليج وليس على الأراضي العراقية

في شوارع بغداد، يقول الكثير من العراقيين إنَّه في حال وقوع صراع مسلح بين إيران ووكلائها والولايات المتحدة، فالأرجح أنَّه سيقع في الخليج وليس على الأراضي العراقية. وبعكس العراق عام 2003، يُعَد العراق اليوم حليفاً لأمريكا.

فقال علي سليم (55 عاماً)، وهو حلَّاق كان يُجفِّف مناشفه خارج متجره: «لست أخشى وقوع حرب بين إيران والولايات المتحدة. آنذاك كان الهدف الأمريكي هو العراق، أمَّا هذه المرة فالهدف هو إيران»، مضيفاً أنَّ الميليشيات لن تخاطر ببقائها هي من خلال استفزاز الولايات المتحدة للانتقام، لأنَّهم في نهاية المطاف عراقيون.

رفض آخرون التوتُّر المتزايد بين الولايات المتحدة وإيران باعتباره تهديدات فارغة

فقال سليم أبو حسن (48 عاماً)، وهو عامل كان قد تسلم للتو شحنة من موازين الأطفال لمتجر مستلزمات طبية: «الأمر مجرد كلام، مجرد تهديدات».

وقال إنَّه قاتل في الحرب الإيرانية-العراقية في الثمانينيات، وكان في بغداد حين هاجمت الولايات المتحدة العراق قبل 16 سنة. وأضاف: «كلٌّ من إيران وأمريكا تحاولان الصياح بصوتٍ أعلى من الأخرى».

قال الجياشي، عضو مجلس الأمن الوطني العراقي، أيضاً، إنَّه يعتقد أنَّ الحكومة الإيرانية لا تريد الحرب. لكنه أضاف أنَّه قلق من تحرُّك الحرس الثوري الإيراني من تلقاء نفسه، وربما تشجيع المجموعات المسلحة التي رعاها في المنطقة للتحرك نيابةً عنه.

ومن الصعب تبيُّن نوايا إيران، لأنَّ قيادتها وحكومتها المُنتخبة غالباً تبدو عقلانية، لكنَّ الحرس الثوري وفيلق القدس، الذي يتواصل قائده قاسم سليماني بانتظام مع الشخصيات العراقية، يتخذان نهجاً أكثر عدوانية بكثير تجاه الولايات المتحدة.

لكنَّ الجياشي ومسؤولين عراقيين كبار آخرين قالوا إنَّ الطلب الإيراني الوحيد من العراق هو منع الولايات المتحدة من استخدام أراضيه لشنّ هجوم على الأراضي الإيرانية.

سيناريو شن أمريكا هجمات فوق الأراضي العراقية لم يطرحه بومبيو، لكنه يُناقش في البنتاغون

وقال مسؤولٌ عراقي كبير، رفض الكشف عن هويته، إنَّ الأمريكيين ليست لديهم خطط لذلك. وأضاف المسؤول أنَّ وزير الخارجية مايك بومبيو، الذي زار العراق الأسبوع الماضي، قال للقادة العراقيين إنَّ الولايات المتحدة تحترم سيادة العراق، ولن تشن هجمات على إيران من العراق.

ولم ترد الخارجية الأمريكية على الفور على طلبٍ للتعليق على رسالة بومبيو للعراقيين. وكان بومبيو قال إنَّه ناقش «أهمية ضمان العراق أنَّ لديه القدرة الكافية لحماية الأمريكيين الموجودين في البلاد».

ووفقاً للمسؤول، لم يقل بومبيو ما إن كانت الولايات المتحدة قد تشن هجوماً فوق الأراضي العراقية على إحدى المجموعات المسلحة، في حال استهدفت تلك المجموعة الولايات المتحدة، وهو سيناريو تجري الآن مناقشته في البنتاغون.

وأفادت الإمارات العربية المتحدة، الأحد الماضي 12 مايو، بتعرُّض ناقلات نفط لأضرار في هجماتٍ وقعت قبالة الساحل الإماراتي. كانت اثنتان من الناقلات تعود للسعودية. وامتنعت السعودية والإمارات –وهما غريمتان منذ فترة طويلة لإيران- وكذلك الولايات المتحدة عن توجيه اتهامات علنية، أو الكشف عما تعرفه تلك الدول عن الحادثة، لكنَّ مسؤولي تلك الدول أوضحوا سراً أنَّ شكوكهم تتركَّز على إيران.

فقال مسؤولون أمريكيون، يوم الإثنين 13 مايو، إنَّه لا توجد أدلة قاطعة تربط إيران أو وكلاءها بالهجمات.

لكنَّ وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت، حذَّر هذا الأسبوع من «خطر وقوع صراع بالخطأ من خلال تصعيد غير مقصود من أي من الطرفين».

ويُمثِّل امتداد تصعيدٍ كهذا إلى العراق، الذي عاش في حالة حرب معظم الوقت منذ الغزو الأمريكي، رعباً، يرغب الكثير من العراقيين ألا يحدث ثانيةً.

فقال عماد حسن (45 عاماً): «أتذكر الدمار والنهب والمباني المحروقة والمدمرة، اعتقدنا أنَّهم جاءوا فقط من أجل تحرير العراق، لكنَّهم احتلوه».

التعليقات

اترك تعليقاً