آراء

في أوروبا وليبيا والعراق… الفصل العربي في تاريخ كارثة اليهود

بشكل طبيعي، تعد الكارثة كحدث أوروبي في جوهره. درج على التعاطي معها كـ «كارثة يهود أوروبا»، محدثوها هم شعوب أوروبية، الألمان وحلفاؤهم. ولكن لا ينبغي التجاهل أيضاً لجوانب الكارثة المتعلقة بالعالم العربي.
أحد أبرزها هو الدور الذي لعبه المفتي الفلسطيني، الحاج أمين الحسيني، حتى قبل الكارثة، حين تولى مناصب عامة في بلاد إسرائيل (1920 ـ 1937)، فقد حرضت خطبه على قتل اليهود في اضطرابات 1920 ـ 1921 و 1929، وكذا في الثورة العربية الكبرى في 1936.
لا غرو أنه وجد نفسه مشاركاً في وقت لاحق في إبادة يهود أوروبا. في شهادات ضباط نازيين أدلي بها في إطار محاكمات نيرنبنغ بعد الحرب، يُذكر المفتي كإحدى الشخصيات التي دفعت هتلر لإبادة يهود أوروبا، ما إن وصل إلى ألمانيا أواخر 1941. ومع أنه معقول الافتراض بأن هتلر ما كان بحاجة إلى «التشجيع» من المفتي، ولكن دوره في دفع القرار لإبادة اليهود وتنفيذه كان بارزاً.
لقد لعب المفتي دوراً مهماً عن النازيين في سنوات 1942 ـ 1944، حين بادر إلى تشكيل وحدات إسلامية في الجيش الألماني النازي وفي الـ اس اس التي جند جنودها في يوغسلافيا وبلغاريا. في 1944، حين جمع معظم يهود هنغاريا ـ أكثر من نصف مليون شخص ـ في منطقة بودابست، اعتزم الألمان اقتيادهم بالقطارات للإبادة في اوشفيتس، ولكنهم خشوا من أن يفجر الأنصار جسور القطارات كي يشوشوا الإرساليات. فبعث المفتي بوحدات المسلمين للدفاع عن الجسور وضمان نقل اليهود إلى الإبادة.
لم يخفِ المفتي نواياه. فقد كتب ونشر ـ ولا سيما في برامجه في راديو برلين بالعربية ـ التزامه بأن يمنع بكل ثمن هجرة يهود أوروبا إلى «فلسطين»، وإبادتهم كانت في نظره ضرورية وحيوية.
في تموز 1945 اتخذت «اللجنة اليوغسلافية لتحديد جرائم حرب المحتلين ومساعديهم» قرار 1892، ولذي ضم أمين الحسيني في قائمة مجرمي الحرب، على تجنيده بالقوة للسكان في المناطق المحتلة، حسب المادة 23 من ميثاق لاهاي. وعللت اللجنة قرارها: «نتيجة لأعماله… أقيمت الفرقة الإسلامية في الـ اس اس… في كل مكان استخدمت فيه، نفذت هذه الوحدات جرائم حرب كثيرة؛ المذابح الجماعية، الأعمال الفظيعة النكراء، إحراق بلدات كاملة والسلب والنهب. وبسبب هذا النشاط… ينضم المفتي الكبير الحسيني إلى سلسلة مجرمين دوليين… هو يتحمل المسؤولية بسبب إغراء جموع المسلمين، أي بسبب الإكراه الذي فرض على أولئك الناس، الذين أجبروا على التجند لمنظمات عسكرية فاشية، وبناء عل ذلك فإنه مذنب أيضاً في كل تلك الجرائم». بعد الحرب فر المفتي إلى فرنسا، وأغدق عليه الفرنسيون شرفاً عظيماً ومنحوه فيلّا سكن فيها على مدى سنة.
ولكن فضلاً عن دور المفتي، تنبغي الإشارة في هذا السياق أيضاً إلى معسكرات الإبادة في ليبيا، التي كانت تحت الحكم الإيطالي في أثناء الحرب. فقد أرسل يهود ليبيا إلى معسكرات التجميع في الصحراء: جادو، بقبق. سيدي عزاز، غريان ويفران. وقد احتجزوا في ظروف رهيبة، وعانوا من الجوع والعطش وقضى المئات نحبهم. من اصطاد اليهود؟ من شخصهم عن الألمان؟ الجواب واضح: جيرانهم المسلمون.
وأخيراً، تجدر الإشارة أيضاً إلى الطاغية في بغداد، حملة القتل، والاغتصاب، والسلب والنهب الذي نفذها عرب عراقيون بحق يهود بغداد في عيد الأسابيع في العام 1941. فقد قتل 179 يهودياً، أصيب الآلاف، اغتصبت نساء وتيتم أطفال في أعقاب التحريض الشيطاني للحاج أمين الحسيني الذي كان في حينه في بغداد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى