ثقافة وفنون

هاني القط يكتب للديوان: الرواية والمشتركات الإنسانية

 

يُعبِّر مصطلح «الأنسنة» عن المذهب الفكري الذي يعد الإنسان أعلى قيمة. وقد تبلور مصطلح الأنسنة عبر نوايا صادقة من علماء الأحياء القديمة في اكتشاف تلك البداية، التي يمكن من خلالها بلورة مفهوم للأنسنة، وبعد استقصاء وبحث مالوا إلى الفكرة التدريجية في التطور. وعندها انتفضت مشكلة أساسية في الفكر التطوري التوحيدي، وبالأخص في الأديان الإبراهيمية؛ ليستقر مصطلح التحولية الخاصة التي تقول بوجود تدخل إلهي نوعي تحققت بسببه عملية الأنسنة.

عندما تبلورت تعريفات الأنسنة لم تكن ببعيدة عما رآه «شيلر» F.C.S. schiller ، حينما اعتبر قوام الأنسنة، هو إدراك الإنسان أنَّ المشكلة الفلسفية تخص كائنات بشرية، وأنه لا بد لها من بذل غاية جهدها لمحاولة فهم عالم الإنسان، متكئة على أدوات الفكر البشري وملكاته. واعتقد أنّ الرواية إحدى روافد هذا الفكر البشري، الذي اضطلع بمحاولة الكشف عن المشتركات الإنسانية في تخوم العالم الممتد برحابة ثقافاته المتعددة.

لقد أمست الرواية أكثر من معادل للحياة، فبتجليها تنزاح الأستار عن الحقيقة الماثلة التي يراها «بيكاسو» أكثر من مجرد الشيء نفسه كما نراه! ومنذ نسجت الرواية خيوطها من أشكال إبداعية ضاربة في القدم، وهي تسعى نحو غوص عميق في جوانيات شخصياتها؛ لإبراز وعيهم بالعالم وبأنفسهم، فاضحة الحياة السرية لأحاسيسهم، كاشفة عن حقائق نفسية بنيت عليها تصورات التحليل النفسي لدى «فرويد». وهو ما جعل «كونديرا» يهيئ لها في كتابه «فن الرواية» كي تكون تعويضاً عن الأزمة التي ضربت العلوم الإنسانية.

تطورت الرواية عبر نضالات مع أجناس أخرى ذات طبيعة حكائية سردية؛ ليصبح الآني زمنها رغم الجدال. وتكشف الرواية يوماً بعد يوم عن تواشج إظهار المشتركات الإنسانية؛ من خلال تعرية النفس البشرية، ورصد تحولاتها، التي تظهر الرواية مدى تقاربها؛ رغم تنوع المكان وأطر قوانينه، ومقتضيات التأثيرات الثقافية عليه.

سعت الرواية لطرح تساؤلات جدلية عن الأنسنة والوعي، والأنسنة والتحرر، والأنسنة والضمير، والأنسنة والوجود، وذلك كنتاج حتمي لإفرازات سلوك الإنسان الواعي في عالمه الصاخب المتحول.

وأمست الرواية – ودون تحيز – من العناوين الرئيسية المهمة في الإضاءة على الصلة التي تربط الإنسان بالإنسان بعيداً عن الأيدلوجيات المفرقة، أو الثوابت الجامدة العصية على المحاورة والتقارب والفهم؛ حتى أنّ الرواية لم تعجز أو تَخف من الخوض في معارج الأفكار الصدامية، بل أضاءت عليها وحاورتها؛ لتفتح بها آفاقاً رحيمة رحبة تسمح بتلاقيها، والتي من أولها فكرة قبول الآخر والمساواة والعدل والحرية، وامتدت لوضع وشائج إنسانية جامعة، من خلال تثوير العقل بغية الوعي بالأنسنة.

وكما يقول جاك ميتشيل: «الرواية هي شكل من الانعكاس الجمالي للإنسان في المجتمع؛ بعلاقتها الحميمة المبنية على الملاحظة، والإيجابيّة بين الذات (الكاتب والقارىء) والموضوع (الإنسان الموجود في المجتمع القائم) أكثر بكثير مما هو الحال في الأجناس الغنائيّة الشعريّة».

إنّ معرفة العالم لا تتأتى إلا بمعرفة الإنسان ذاته، وبمعرفة الإنسان تدرك قيمته، وهو الضلع الأهم في معرفة الحقيقة، بوصف الحقيقة جوهراً ملزماً بأن يعرفها الإنسان، لأنها رسالته التي كانت شرط وجوده من قبل المولى، وأعتقد أنّ تبلور الأنسنة في تجليها العميق، يظهر في قوله: «إني جاعل في الأرض خليفة»، وهي كشف واضح في تحمل البشر لأمانة الله المودعة فينا، فخلافة الله في أرضه هي غاية الخالق من خلقه، والأنسنة هي محاولة للوصول بتطويع رغبات الإنسان نحو كمال بشري نسبي.

وتكاد تكون الرواية هي الفرع الأدبي الذي يطلّ برحابة على كل الأنماط الإنسانية مكتشفاً كل مثالبها ومآزقها، لا لكي يفضح ولكن ليحلل ويناقش ويضيء. وليس على الرواية أن تجد حلاً، فما عليها فقط إلا أن تحفر في كوامن العلل.

لم تبعد الأنسنة عن الرواية على مدار تطورها، سواء في واقعيتها المحضة أو عبر تجريدها المنطلق. ومن المزج ما بين العام والخاص، منحت الأنسنة لبعض الأعمال الروائية صفة الخلود، متجاوزة فكرة الزمان والمكان. فرواية البؤساء لفيكتور هوجو، لا تزال تسمى برائعة هوجو الخالدة، التي تتحدّث عن دواخل النفس الإنسانية، تتحدث عن الحب والخوف، عن الأبوة والقسوة، عن الحياة والموت، مطلقة صيحة أنّ على الإنسان أن يواجه الألم ويتسلح بالأمل، وذلك انطلاقاً من أهم مرتكزات النزعة الإنسانية. وعلى الرغم من مرور الزمن فما زالت تلك الرواية مصدراً ملهماً. حتى أنّ هوتفيل هاوس، قال عنها: «ما دام ثمة هلاك اجتماعي، بسبب من القانون أو العرف، يخلق ألواناً من الجحيم على الأرض، وما دامت مشكلات العصر الثلاث: الحط من قدر الرجل باستغلال جهده، وتحطيم كرامة المرأة بالجوع، وتقزيم الطفل بالجهل؛ لم تحل بعد. وما دام الاختناق الاجتماعي لا يزال ممكناً في بعض البقاع، وما دام على ظهر البسيطة جهل و بؤس؛ تكون هناك حاجة إلى روايات من هذا النوع.

فبخروج بطل الرواية جان فالجان من السجن، يذهب إلى فندق ليقضي ليلته، فيرفضه الفندق؛ لكونه سجيناً، فيعود البطل إلى السجن لقضاء ليلته، فيخبروه أنّ هذا المكان سجن وليس فندقاً مجانياً، فيتوجه إلى المطرانية وينام، ولكنه في الليل يسرق صينية فضيّة من عند المطران ويهرب. ويقبض عليه رجال الشرطة فيعفو عنه المطران، ويساعده؛ كي يعود إلى الأخلاق الرفيعة، ويبتعد البطل عن السرقة، ليس عن طريق السجن، ولكن عن طريق المعاملة الحسنة، وبالفعل يبدأ في الاهتمام بحسن السلوك، فأخذ يصلي، وعاد بمخيلته إلى تاريخ سجنه، وسرقته لبضعة أرغفة من الخبز من أحد الحوانيت من أجل إطعام أطفال أخته الجياع اليتامى السبعة. وتستمر الأحداث والمآسي مع البطل.

لم يكن عرضنا الموجز لتلك الرواية إلا للفت الانتباه فقط أنّ الرواية منذ بدايتها وهي تسعى لتعزيز المشتركات الإنسانية، منطلقة من صرخات فردية تبثها في محيط مجتمعي؛ تسعى لأنسنته من خلال خطاب واعٍ ،ينشد حرية الإرادة الإنسانية؛ وفق رغباتها السوية والسير الصادق نحو كمالٍ نسبي.

لقد امتدت الرواية صوب تخوم التعايش والمواطنة، ونرى ذلك جلياً عند بهاء طاهر في رائعته: «خالتي صفية والدير»، وذلك عبر حكاية ممتلئة بروح التسامح والمودة الحقيقية، متجنبة السقوط في فخاخ الشعارات المعسولة والمواعظ المباشرة. فنجد الشيخ الأزهري يصطحب ابنه بمودة إلى الدير ليهنئ الرهبان بأعيادهم، في تجلٍ واضح لقيم الأنسنة ورقيها، وكيف أنّ طفلاَ مسلماَ يحمل بكل محبة الكعك إلى معارفه المسيحيين؛ كتبادل للتهاني.

تطلق النزعة الإنسانية صرختها رافضة كلّ أشكال الاغتراب والاضطهاد والرضوخ التام لاحترام الكرامة الإنسانية، مرتكزة على أنّ الحياة شيء رائع تستحق أن يعيشها الإنسان، متسامحاً مع كل تناقضاتها، بغية التعايش في أطر إنسانية جامعة.

*روائي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى