كتب ودراسات

من “ألف ليلة وليلة” إلى “1984”: كيف شكلت القصص عالمنا؟

كثيرا ما تركت القصص أثرها في التاريخ، وفي أذهان أجيال متعاقبة من البشر، بدءا من الملاحم القديمة وحتى الروايات الحديثة.

تربى الإسكندر الأكبر منذ حداثته ليتبوأ زعامة مقدونيا، تلك المملكة الصغيرة بشمال بلاد الإغريق، التي ما انفكت تحارب جيرانها وعلى رأسهم الفُرس، مما دفعه لتعلم قيادة الجيوش وخوض المعارك.

ومع اعتلاء الإسكندر العرش بعد اغتيال والده، فاق الملك الشاب كل التوقعات، إذ لم يكتف بتأمين حدود مملكته فحسب، بل انتصر على الامبراطورية الفارسية بالكامل، مخلدا اسمه بين الفاتحين، وباسطا ملكا امتد حتى مصر جنوبا، وشمال الهند شرقا.

وكان في جعبة الإسكندر سلاح آخر غير أسلحة الحرب التقليدية، وهي ملحمة هوميروس “الإلياذة”، إذ تعلم الإسكندر منذ عمر غض القراءة والكتابة بدراسته للنص الأدبي لتلك الملحمة، متفوقا بفضل معلمه الفيلسوف أرسطو.

ولاحقا استلهم الإسكندر بفتوحاته ما ورد في الإلياذة عن حرب الأخائيين في آسيا الصغرى ضد طروادة؛ المدينة التي توقف بها، رغم عدم أهميتها العسكرية، ليقتفي أثر مشاهد قرأها في الإلياذة. ويقص المؤرخون كيف أنه كان ينام خلال حملاته وإلى جواره نسخة منها.

ولم تقتصر أهمية ملحمة هوميروس الشعرية على ساحة الأدب، بل تجاوزت المكتبات نهارا، ونيران المعسكرات ليلا، في بلاد الإغريق لتشكل وعي مجتمع بأكمله ومنظومة قيمه.

ويقول هاورد كاناتيلا، الكاتب الكندي المتخصص في شؤون الفنون والفلسلفة: “خط هوميروس، من بين ما خط، أنماطا فكرية للثقافة الإغريقية المبكرة؛ وجسدت تلك القصة (أحداثا) قُصد منها وعي القارئ بشكل يجعله يقبل عاقبة ما يتبناه من خيارات أخلاقية، كالتحلي بالشجاعة، على السواد الأعظم من الناس”.

رسم للاسكندر الأكبر وهو يمتطي جواده استعدادا لخوض معركةتتلمذ الإسكندر الأكبر على يدي الفيلسوف الشهير أرسطو، وهو ما أسهم في كيفية تعامله كقائد عسكري في ساحتي الدبلوماسية والحرب معا

ورد الإسكندر للإلياذة فضلها عليه بأن أسداها معروفا جما، فبعد أن استلهم منها الكثير في حياته، جعل من اليونانية القديمة لغة مشتركة لبقعة شاسعة من الأرض، مؤسسا لأن تصبح الإلياذة عملا من أعمال الإرث الإنساني الأبرز. وشيد من جاء بعده المكتبات الضخمة بالإسكندرية، وبرغاموس، وكان لها الفضل في نقل تراث هوميروس للأجيال اللاحقة.

وبرهن ذلك كيف يمكن للقصص أن تخلف أثرا يتجاوز صفحات الكتب، فقد أراد أفلاطون للفنون أن تكون “ليس مجرد وسيلة للمتعة بل نفعا لدساتير البشر وحياتهم”. وكما يعقب الكاتب كاناتيلا، فإن “الشعر بالنسبة لأرسطو (وكذا أفلاطون) لا يثير في النفس شجونا فحسب، بل يحفز البشر على الارتقاء بأنفسهم”.

لغة جامعة

وما ينطبق على الإلياذة الإغريقية ينطبق على أعمال أخرى غابرة كملحمة جلجامش لبلاد الرافدين، وأسطورة “بوبُل فوه” للخلق عند المايا، بما ضمته من روايات شكلت مرجعا لحضارات بأسرها، صورت لأبناء تلك الأمم كيف كانت نشأتهم، وحددت ملامح هويتهم.

  • اقرأ أيضا: الابداعات المنسية للحضارة الإسلامية

ولا يستهل كل تقليد أدبي أسطره بروايات ملحمية للملوك والغزوات، فالأدب الصيني مثلا قائم على “كتاب الأغاني”، وهو مجموعة من القصائد التي تبدو بسيطة في ظاهرها حتى يعن للمتمعن فيها معان كثيرة أُسهِبت لها التفسيرات والشروحات.

ولم يكن الشعر دوما حكرا على الشعراء، بل تعين على الطامحين إلى الترقي في مراتب الحكم الصيني الواسع اجتياز اختبارات صعبة حددها النظام الإمبراطوري آنذاك، على رأسها التبحر في الشعر حتى كان على كبار وزراء الدولة ومسؤوليها أن يبرهنوا على تمكنهم بارتجال القصائد في التو واللحظة.

رسم قديم يجسد كتابة "حكاية غينجي"تعد “حكاية غينجي” التي ألفتها اليابانية موراساكي شيكيبو، أول رواية حديثة يعرفها العالم، إذ تضم شخوصا معقدة، وتعتمد السخرية في وصفها للحياة داخل البلاط الملكي

 

ورسخ كتاب الأغاني الصيني الشعر كركيزة رئيسية للأدب في شرق آسيا، فحينما سعت اليابان إلى الاستقلال ثقافيا عن الصين لم تجد بدا من صياغة أشعارها الخاصة.

وكانت إحدى أوائل الروايات العظمى للأدب العالمي من نتاج الشعر، وهي “حكاية غينجي”، والتي تعين على مؤلفتها موراساكي شيكيبو تعليم نفسها الشعر الصيني من خلال تلصصها على دروس أخيها.

 

إذ يومها لم تكن النساء تتعلم الآداب الصينية. وحينما أصبحت هي إحدى وصيفات البلاط الياباني المليء بالأسرار، استغلت ما تعلمته لتصوير الحياة بين أروقة الحكم، وأفردت التفاصيل، مستبصرة بما يجري في خفايا تلك الأروقة، في رائعة تربو على ألف صفحة. ولكي ترتقى بروايتها لمكانة الأدب الرفيع، ضمنتها قرابة 800 قصيدة شعرية.

النسج الأبيض

وانتشرت المعرفة في بقاع العالم باستحداث صناعة الورق والطباعة، وصولا إلى الجماهير بالقصص المكتوبة، إذ جعل انتشار الورق والطباعة تكلفة الأدب في متناول يد قطاعات جديدة من القراء، وتطلب تلبية أذواقهم ظهور أنماط قصصية جديدة.

وعمت هذه الحركة العالم العربي أيضا، بعد أن اكتسب سر صناعة الورق من الصين، وزاده رواجا. وللمرة الأولى حفظت القصص التي كانت تروى شفاهية في شكل مكتوب، وظهرت مجموعات القصص من قبيل “ألف ليلة وليلة”.

لوحة تخيلت فيها صوفي غينجامبر آندرسون شخصية "شهرزاد"
لوحة تخيلت فيها صوفي غينجامبر آندرسون شخصية “شهرزاد” التي أنقذت رقبتها من السياف عبر القصص، ليلة تلو الأخرى، لتصبح رائدة رواية القصص في كل مكان

 

وكانت ألف ليلة وليلة عملا أكثر تنوعا عن الملاحم الشعرية القديمة، إذ جمع بين الخيال والحكمة على لسان بطلتها شهرزاد التي أقسم مولاها أن يقتل أي امرأة بعد ليلة واحدة تمضيها معه. ولكي تتمكن شهرزاد من النجاة بحياتها، أخذت تقص على شهريار القصة تلو القصة، حتى برأ من داء قتل النساء، ما جعل شهرزاد مليكة شهريار ورائدة فن القصص في آن واحد.

وتأثر تاريخ الأدب دهرا بدواوين الشعر والقصص والملاحم، وحينما أراد الشاعر الإيطالي دانتي أليغيري تصوير الرؤية المسيحية للجحيم، والمطهر، والجنة، والاسترسال فيها خيالا، اختار الشعر الملحمي وسيلة لينافس أساطين الشعر القديم، ولم يشأ أن يجعل هوميروس الإغريقي، الذي جاء قبل المسيح بقرون، بين أسرى الجحيم، فجعله في مكان وسيط بين الجنة والنار.

وكتب دانتي كوميديته الإلهية متجاوزا اللاتينية الفصحى إلى لهجة أهل توسكانيا، ما ساعد في تحول تلك اللهجة لاحقا إلى الوريث الشرعي الذي نعرفه اليوم باللغة الإيطالية، دلالة على دور الأدب في صياغة اللغة.

 

وكان الحدث الأبرز في ثورة الآداب هو اختراع الطباعة بشمال أوروبا على يد يوهان غوتنبرغ (استكمالا لما بلغه الصينيون)، إذ أذن ذلك بعصر الإنتاج الواسع للكتب وتراجع الأمية، وهو ما نجني اليوم ثماره. وأصبحت الرواية هي الملكة المتوجة للأدب، إذ تحررت من القيود القديمة وأطلقت العنان للكتاب والقراء، وبالأخص النساء، للاستفادة من صيغتها المرنة لتناول القضايا الملحة للمجتمع الحديث.

رسم لقوات تابعة لهتلر وهي تحرق بعض الكتب
أدت الطباعة إلى الانتشار الواسع للمعرفة ولكنها سهلت أيضا للأنظمة القمعية استغلال الأدب وفرض الرقابة عليه

 

وكانت البداية الأولى لما عرف لاحقا بأدب الخيال العلمي برواية فرانكنشتاين للكاتبة ماري شيلي لتعبر عن الصراع بين آفاق العلم الواعد وما يمكن أن يجره من ويلات. ولاحقا جاءت أعمال تندرج في إطار انهيار الحلم السياسي كما في رواية “1984” لجورج أورويل، ورواية “قصة الخادمة” لمارغريت آتوود.

واستغلت البلدان الناشئة الرواية لتأكيد استقلالها، على غرار ما عرف بالنهضة الأمريكية اللاتينية في ستينيات القرن العشرين كما في “مئة عام من العزلة” للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز، إذ عكست روايته ثقافة بأسرها عبر أجيال متعاقبة. ولزم اقتران الاستقلال السياسي باستقلال أدبي، وكانت الرواية هي السبيل الأمثل لذلك.

ورغم أن الكثير من الأدباء استفادوا بانتشار المعرفة، إلا أن الطباعة يسرت أيضا للأنظمة القمعية استغلال الأدب وفرض الرقابة عليه، وما عاناه الأدباء بشدة في ظل أنظمة الحكم الشمولي، كألمانيا النازية، والاتحاد السوفييتي، وظهرت المطبوعات السرية لتفادي الرقيب.

واليوم نحن في خضم ثورة أخرى تشهدها آليات الكتابة لا تقل، إن لم تزد، أهمية عن اختراع الورق والطباعة في الصين، وإعادة إطلاقهما في شمال أوروبا. فالإنترنت غيرت شكل القراءة والكتابة وانتشار الآداب بالأرض قاطبة، فبتنا على أعتاب حقبة جديدة من الكتابة والأدب زجت بالعالم في دورة تحول جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى