كيف تبدو آثار الضم كفة خاسرة في الميزان الأمني والديمغرافي لإسرائيل؟

كيف تبدو آثار الضم كفة خاسرة في الميزان الأمني والديمغرافي لإسرائيل؟
الأراضي المحتلة الفلسطينية
كتب: آخر تحديث:
اودي ديكل ونوعا شوسترمان

تركز الاهتمام العام في إسرائيل على الآثار السياسية المباشرة للضم وتجاهل الآثار على المدى البعيد. فإذا انهارت السلطة الفلسطينية نتيجة الضم فقد تؤدي الخطوة إلى تفككها وستجد إسرائيل نفسها مسؤولة عن 2.7 مليون فلسطيني من سكان المناطق. ندوة أجراها معهد بحوث الأمن القومي تكرست لفحص الآثار الإيجابية والسلبية للضم.

البعد الجغرافي
لم تعرض على الملأ خريطة الضم المخطط له. وسيتقرر حجمه بناء على ثلاثة مناهج: 1. نهج موسع لضم كل المنطقة “ج”، والتي هي نحو 60 في المئة من يهودا والسامرة. 2. نهج يتبنى مخطط الرئيس ترامب لضم نصف المنطقة “ج”، نحو 30 في المئة. 3. نهج ضيق يسعى إلى دمج المستوطنات الإسرائيلية القائمة ومنع إخلائها في المستقبل.

1. ضم غور الأردن وشمال البحر الميت – وفقاً لخريطة عرضها بنيامين نتنياهو. هذا البديل يقوم أساساً على منطق أمني، أي ترسيم الحدود الشرقية لإسرائيل وتصميها كحدود قابلة للدفاع. يتضمن هذا الخيار غور الأردن بمعناه الواسع، مع السفوح الشرقية لجبال السامرة حتى محور “ألون” (نحو 22 في المئة من مساحة الضفة)، ويوجد في هذه القطعة الجغرافية 30 مستوطنة إسرائيلية، ولكن أقل من 3 في المئة من المستوطنات في الضفة، كما يوجد فيها جيب فلسطيني ممثل بمدينة أريحا وعدة بلدات فلسطينية، لن تنطبق عليها السيادة.

2. ضم غور الأردن والمستوطنات، حسب خريطة الرئيس ترامب للسلام. وتتضمن الخريطة غور الأردن بمساحة ضيقة مقارنة بخطة نتنياهو (17 في المئة من الضفة)؛ كل الكتل الاستيطانية و 16 مستوطنة منعزلة في عمق الأراضي الفلسطينية ترتبط بطرق إلى إسرائيل (13 في المئة أخرى لتشكيل معاً 30 في المئة من الضفة). بالنسبة للمعنى الأمني لهذا الخيار: من جهة، ميزته في ضمان السيطرة على الحدود الشرقية، وكذا في السفوح الغربية لجبال السامرة التي تطل على مركز البلاد ومطار بن غوريون، والحزام الذي يلف القدس؛ ومن جهة أخرى، سيخرق هذا الخيار حدود بطول 1.600 كيلومتر، وسيبقي في الضفة مستوطنات إسرائيلية منعزلة ترتبط بإسرائيل بمحاور طويلة وضيقة، تخلق صعوبة في الدفاع عنها، كما سيتسبب في إطاره باحتكاك كبير بين السكان الإسرائيليين والفلسطينيين. إذا طبقت خطة ترامب كما تنص حرفياً، ستكون إسرائيل مطالبة بأن تنقل نصف المناطق “ج”، نحو 30 في المئة من الضفة، إلى السلطة الفلسطينية، فتنضم هذه إلى 40 في المئة تحت سيطرة السلطة (المناطق “أ” و “ب”) كما ستكون إسرائيل مطالبة بأن تنقل إلى أراضي الدولة الفلسطينية المستقبلية أراضي من نطاقها السيادة بحجم 15 في المئة من أراضي الضفة. يقدر بأن هذا الخيار مناسب ظاهراً لأن يطبق في إطار اتفاق دائم، يقوم على أساس الثقة التامة بين الطرفين والفئتين السكانيتين، وبالتأكيد ليس في وضع انتقالي يكون فيه مستوى الثقة بين الطرفين متدنياً للغاية.

3. ضم مناطق الولاية القانونية للمستوطنات – حجم المنطقة هو نحو 10 في المئة من يهودا والسامرة، وهذا لا يشمل طرق الوصول إلى المستوطنات. لا يوجد في هذا الخيار ميزة استراتيجية أو ضمان حياة للمستوطنة الإسرائيلية التي تبقى منعزلة. ولهذا السبب، فهذا خيار انتقالي فقط. ومع ذلك ميزة هذه الخريطة في بسط السيادة والقانوني الإسرائيلي على كل السكان المستوطنين الإسرائيليين، بينما يبقى في هذه المنطقة عدد قليل من السكان الفلسطينيين (أقل من 1 في المئة من الفلسطينيين في الضفة). حسب هذه الخريطة، لا يمكن للمستوطنات أن تتسع إلى ما وراء منطقة الولاية القانونية المحددة له.

البعد القانوني

من ناحية قانونية، فإن “بسط السيادة ” و”الضم” هما أمر واحد. ومع ذلك، فإن لاصطلاح بسط السيادة لون سياسي وسياق من الشرعية، وليس اللون السلبي للسيطرة. فإسرائيل تحوز مناطق يهودا والسامرة منذ العام 1967، تحت الاستيلاء القتالي وتحت الحكم العسكري. ليس للتشريع الإسرائيلي مفعول مباشر إلا عبر أوامر قائد المنطقة الوسطى (القائد العسكري) التي تنطبق على مناطق المستوطنات. أما فرض القانون الإسرائيلي فمعناه أن أحكام المنطقة والمكانة والسلوك القانوني للمنطقة سيكونان مشابهين لما هو متبع في دولة إسرائيل. وستصبح السلطات الإسرائيلية جهة مخولة في المنطقة. وبناء على ذلك، سيسهل الضم مصادرة أرض فلسطينية في صالح مستوطنات جديدة أو توسيع مستوطنات قائمة. ولن يكون الفلسطينيون في المنطقة المضمومة بعد ذلك تابعين لقوانين السلطة الفلسطينية، بل سيتبعون القانون الإسرائيلي، كسكان لدولة إسرائيل، وسيكون من حقهم أيضاً طلب المواطنة. وبالنسبة للمستقبل وفقاً للاستفتاء الشعبي، إذا ما وافقت إسرائيل في إطال تسوية سياسية مع الفلسطينيين على التنازل عن الأرض المضمومة سيكون مطلوباً لتحقيق هذا التنازل أغلبية خاصة من 80 نائباً، أو استفتاء شعبي. ومعنى الضم هو تكبيل أيدي الحكومات التالية إذا ما رغبت في التنازل عن المنطقة.

في جانب القانون الدولي، لن يُعترف بالمنطقة المضمومة كجزء من السيادة الإسرائيلية ودولة إسرائيل. ومن المتوقع أن يواصل العالم التعاطي معها كأرض محتلة، للفلسطينيين حق فيها ولتجسيد حقهم في تقرير المصير وإقامة دولة. وستبقى إسرائيل مطالبة بالتزاماتها كدولة محتلة تجاه الفلسطينيين. وهذه الواجبات كفيلة بأن تتعاظم كلما قل دور السلطة الفلسطينية. وعملياً، لم تنطبق الاتفاقات بين دولة إسرائيل والدول التي لا تعترف بالضم على الأرض المضمومة، وسيتعين على إسرائيل أن تحسم بين التمييز بين أرضها في حدود 67 وبين الأرض المضمومة في الضفة الغربية، أو المخاطرة بإلغاء تلك الاتفاقات. وسيعد قرار الضم خرقاً خطيراً من جانب إسرائيل للقانون الدولي. ويمكن لتغيير الإدارة في الولايات المتحدة أن يؤدي إلى قرار شجب في مجلس الأمن. كما أن الضم سيشكل موضوعاً آخر لتحقيقات محكمة الجنايات الدولية.

الجدال حول الضم
الآثار السلبية:
· سيمس الواقع الأمني بالساحة الإسرائيلية – الفلسطينية، التي تميزت بالاستقرار على مدى السنين. فبسط السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية سيزيد دوافع الفلسطينيين في ممارسة العنف. سيتوقف التعاون بين قوات الأمن الإسرائيلية وأجهزة أمن السلطة الفلسطينية – التي تحبط الإرهاب، وتمنع الاحتكاك، وتفرق المظاهرات، وتتبادل معلومات استخبارية عظيمة القيمة. وإن قفه سيثقل على إسرائيل في إحباط الإرهاب والعنف.

· رداً على الضم، تعتزم السلطة الفلسطينية الإعلان عن نفسها كدولة في حدود 67. محافل عديدة في الأسرة الدولية كفيلة بأن تعترف بالدولة الفلسطينية وإلى جانب ذلك سترى في إسرائيل احتلالاً للدولة الفلسطينية أو أجزاء منها، مع واجبات قوة الاحتلال تجاه السكان الفلسطينيين. معقول ألا تعترف إسرائيل بالسلطة كدولة، ولكن الأمر سيفرض صعوبات على التعاون، لأن كل نوع من التنسيق/التعاون سيفسر كاعتراف بمكانتها كدولة.

· الضم كفيل بأن يدفع منظمة فتح نحو حماس، بل وربما سيشجعها على العودة لتبني فكر المقاومة، في ظل المطالبة بالسيادة على كل أراضي فلسطين. إلى جانب ذلك ستعمل حماس على ضعضعة الاستقرار في الضفة فيما يصعب عليها لجم منظمات الرفض في قطاع غزة. وبالتالي، سيزيد خطر التدهور الأمني في الوقت نفسه بالضفة وقطاع غزة.

· سيرتفع احتمال انهيار السلطة الفلسطينية أو “إعادة المفاتيح” لإسرائيل. في هذه الحالة، ستضطر إسرائيل إلى تحمل المسؤولية عن عموم السكان الفلسطينيين (2.7 مليون) في الضفة الغربية.

· ستلغى مزايا اتفاق السلام مع الأردن. والحدود مع الأردن هي الأطول والأهدأ بين حدود إسرائيل، والتعاون الأمني مع الأردن يجري بنجاح على مدى السنين. كما سيشطب عمق الدفاع الاستراتيجي الشرقي لإسرائيل، والذي هو اليوم عملياً على الحدود الأردنية – العراقية.

· سيكون مطلوباً تحول الجهد الأمني الأساسي لإسرائيل من منع تموضع إيران في الساحة الشمالية إلى نقل الجهد والقوات إلى الساحة الفلسطينية. اليوم، الاستقرار والهدوء النسبي في الساحة الفلسطينية يسمحان للجيش الإسرائيلي التركيز على إحباط التهديد الإيراني على إسرائيل.

· سيمس بتعاون إسرائيل مع دول ليس لها علاقات رسمية، على أساس مصلحة مشتركة ضد توسع النفوذ الإيراني السلبي في منطقة الشرق الأوسط. الضم سيضعضع مكانة إسرائيل الإقليمية حيال الدول العربية السنية البراغماتية: حتى لو أقامت علاقات في مستوى منخفض مع إسرائيل كنتيجة للضغط الأمريكي، فإن هذه العلاقات لن تتحقق في المدى المنظور.

· معنى الضم الواسع هو القضاء على إمكانية تحقيق تسوية سياسية إقليمية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

الآثار الإيجابية:
· خطوة بسط السيادة ستغير قواعد اللعب وموازين القوى في الساحة الإسرائيلية – الفلسطينية، بحيث تحرم الفلسطينيين من إمكانية استخدام الفيتو على اقتراحات التسوية والقدرة على الإمساك بإسرائيل كرهينة في وضع النزاع القائم.

· لأول مرة، تؤيد الولايات المتحدة إعلان نوايا إسرائيلي للتواجد الدائم خلف خطوط 67. ينبغي تجسيد ذلك بالسيادة على الأرض.

· يوجد احتمال لا بأس به، ألا تهز هذه الخطوة الأركان في وضع إسرائيل الأمني والسياسي، ولا سيما إذا كان حجم الضم محدوداً ولم يمنع خيار حل الدولتين.

· المناطق الحيوية لإسرائيل هي: القدس، وغلاف القدس، وغور الأردن. تسيطر إسرائيل الآن فيها بمكانة مؤقتة، بينما خطوة ضم قانونية ستثبت وجودها في هذه المناطق الحيوية في وجه المعارضين لذلك.

· بسطة السيادة يستهدف توسيع خريطة الاستيطان لدولة إسرائيل، وإلى جانب ذلك يجعل من الصعب إخلاء يهود من بيوتهم ومستوطناتهم في يهودا والسامرة. المناطق المضمومة ستسمح بنقل الاستيطان اليهودي من السهل الساحلي المكتظ إلى أراضي يهودا والسامرة.

· إسرائيل أمام مفترق طرق، وهي مطالبة بأن تبدي قوة وتصميماً، في ظل الاستعداد للدخول إلى مجال انعدام اليقين الذي يحتمل أن يمس بها أمنياً في المدى القصير، ولكنه سيعزز قوتها في المدى البعيد.

 

الخلاصة
متغيرات عديدة ستؤثر على الآثار السياسية للضم، ولا سيما حجمه، سواء كان ضيقاً أم واسعاً: مدى أضراره بنسيج حياة السكان الفلسطينيين والمستوطنين، ووتيرة الأحداث وقوتها، بما في ذلك آلية التصعيد التي يصعب التحكم بها. مسائل ذات صلة أخرى: هل سيبقى للفلسطينيين أفق أمل لتحقيق أهدافهم الوطنية على شكل حل الدولتين؟ ومن سيكون في البيت الأبيض في كانون الثاني 2021؟

فضلاً عن الأجوبة على هذه الأسئلة، فإن ميزان الآثار المتنوعة للضم يشير إلى أن معظمها سلبية. فالضم لن يمنح إسرائيل تفوقاً استراتيجياً، ومن الصواب الأخذ بمخاطر أمنية وسياسية واقتصادية. فرض القانون الإسرائيلي على أجزاء من يهودا والسامرة لن يمنح إسرائيل أي تفوق أمني على الوضع الحالي، الذي تسيطر إسرائيل في إطاره على غور الأردن، وتتمتع بحرية عمل أمني في كل المنطقة، وتقيم تعاوناً ناجعاً مع أجهزة الأمن الفلسطينية. بينما سيزيد الضم تهديد الإرهاب، سواء في الضفة أم القطاع. وعندها سيضطر الجيش إلى صرف الانتباه عن الحدود الشمالية وعن إيران إلى مهام دفاعية في الساحة الفلسطينية.

في المدى البعيد، إذا لم تنجُ السلطة الفلسطينية من معاني الضم، بما فيها الاضطراب الشعبي الواسع، فقد تصل إلى انحلالها وإنهاء دورها. إذا كان هذا ما سيحصل، فستجد إسرائيل نفسها مسؤولة عن 2.7 مليون فلسطيني من سكان المناطق في جوانب القانون والنظام، رفاههم الأساس، أمنهم، وأكثر من ذلك. كل ذلك، بينما يتعاظم في المناطق التأييد الشعبي لفكرة الدولة الواحدة، كبديل عن رؤيا الدولتين التي خابت. فضلاً عن العبء الأمني، سيقع على كاهل إسرائيل عبء الاقتصاد الفلسطيني، دون مساعدة من الأسرة الدولية، التي تتبرع للسلطة الفلسطينية على مدى السنين. إضافة إلى ذلك، ستؤثر هذه التطورات الإشكالية بقدر واضح على الطابع الديمقراطي والديمغرافي لدولة إسرائيل، كون معناها هو تسريع الانزلاق إلى واقع الدولة الواحدة وستضعضع الرؤيا الأساس لدولة إسرائيل – دولة يهودية، ديمقراطية، آمنة وأخلاقية معترف بحدودها وتتمتع بشرعية دولية.

في العقد الأخير، فقد النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني مركزيته في الساحة الإقليمية والدولية، جراء الاعتراف بأن الرفض الفلسطيني لعب دوراً حاسماً في إحباط التقدم نحو تسوية سياسية بروح فكرة الدولتين للشعبين. على هذه الخلفية، تفرغت إسرائيل للتصدي للتحدي الإسرائيلي الأساس.. توسع النفوذ الإيراني والتموضع الإيراني في الساحة الشمالية. إلى جانب ذلك، صار ممكناً تطوير علاقات إسترارتيجية بين إسرائيل والدول العربية البراغماتية وبناء جبهة واسعة ضد إيران. ومن المتوقع أن يوقف الضم هذه المسيرة ذات الفضائل العظيمة.

التعليقات

اترك تعليقاً