وديع فلسطين … الحارس الأمين

وديع فلسطين … الحارس الأمين
دكتور مصطفي الخياط
كتب: آخر تحديث:
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط

 

(في الحياة نجوم بعيدة جدا عن الأضواء لدرجة أننا لا ننظرهم)، بهذه الجملة العبقرية تختزل ولاء عبد الله موقف كل الأعلام والنجوم الذين لا نعرفهم، مروا بنا في هدوء، تجاوزونا دون صخب أو ضجيج، شُغلوا بأداء ما كُلفوا به من مهام بإخلاص، تركوا بصماتهم في أعمالهم، بنوا صفا ثان قادر على حمل مشاعل النور وإكمال المسيرة، لم ينتظروا إحسان السلطان ولا تصفيق الجمهور، الأستاذ وديع فلسطين واحد من أولئك النفر النادر، تصفه ولاء بأنه (حارس بوابة الكبار الأخير)، ورغم ما في العبارة من تشاؤم إلا أنها توحى بمكانته كمفكر وصحافى ومربٍ.

ولد لأسرة مصرية بسوهاج، في صعيد مصر، عام 1923، رغبة في خفض مصروفات الجامعة، درس وديع بقسم الصحافة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، عمل في جريدة المقطم، منافسة جريدة الأهرام، تصدر في الثانية ظهرا وقت خروج الموظفين من أشغالهم، بينما تصدر الأهرام صباحا وهم في طريقهم إلى أعمالهم، اضطر بعد إغلاقها عام 1952 للعمل ضمن فريق الترجمة بشركة أرامكو للبترول وساهم بدور كبير في حصولها على حكم قانونى لصالحها في القضية المعروفة باسم أوناسيس فعُين مديرا لمكتبها بالقاهرة، تنقل بعدها بين وظائف بالخارج والداخل أهمها عمله استاذا بقسم الصحافة بالجامعة الأمريكية، وتعد كتاباته في مجالات السياسة والصحافة والترجمة الأبرز في حياته العملية حيث أصدر أكثر من أربعين كتابا، لا يتوافر، للأسف، النصوص المطبوعة لأغلبها، إن لم تكن كلها.

حظى وديع بمكانة عربية مميز، إذ يعتبره الكتاب والصحافيون الذين تخرجوا من الجامعة الأمريكية بالقاهرة استاذهم، ليس بصفته مدرسا فقط ولكن كمثال لكاتب يحترم قلمه ويحتذى عمله، قبل إغلاق جريدة المقطم استدعى للتحقيق بعد نشره أحد المقالات، فقرر بعد الإفراج عنه ألا ينشر حرفا واحدا وأن يقتصر عمله على الترجمة متواريا في الظل خوفا من بطش من لا يقرأون ولا يكتبون واستمر على هذا العهد رغم تغير النُظم السياسية.

بخفة، تنقلنا ولاء عبد الله في جولات جانبية عن السياسة والفن والثقافة والأدب، فالحديث عن وديع فلسطين يمتد إلى شخصيات عدة، كريم ثابت، أحد أشهر صحافيي مصر، أسس جريدة المصرى اليوم ثم تركها بعد ما اختاره الملك فاروق مستشارا صحفيا له، توفى عام 1964 فأجرى قداس جنازته دون ذكر اسمه، بناء على تعليمات مشددة. نزار قبانى (1923 – 1998) صاحب (مواطنون دونما وطن/ مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن)، شهدت القاهرة ميلاده شاعرا كبيرا بعد تعيينه دبلوماسيا ناشئا في السفارة السورية بالقاهرة عام 1948. الدكاتره زكى مبارك (1892 – 1952) الحاصل على ثلاث درجات دكتوراه. الأخوان على ومصطفى أمين وقصته مع والدهما الذى ألف كتابا بالإنجليزية نشره في لندن عام 1940 بعنوان (مصر المستقلة). نازك الملائكة (1923 – 2007) الطالبة الوحيدة في جامعة برنستن بأمريكا. إبراهيم ناجى (1898 – 1953) شاعر الأطلال وحياته الأليمة، وغيرهم من الشخصيات العربية والمصرية تأخذك إليها ولاء برشاقة عبر كتابها.

حين أهدتنى الكتاب أخبرتها أن معرفتى بالأستاذ وديع لا تتخطى معلومات مشوشة أبرزها تعرضه لاعتداء بغرض سرقته، كشف الحادث عن الراهب الذى يعيش وحيدا بين كتبه وذكرياته، مُهمَلًا دون اهتمام، بعد القراءة لم أملك سوى الاتصال بها لأشكرها على الكتاب وحياديتها. إذا كان سهلًا أن تكتب فصعب أن تمشى على حد سكين الحقيقة.

المصدر: جريدة المشهد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *