الصين وأمريكا .. أزمة قد تورطهما في صدام حقيقي

الصين وأمريكا .. أزمة قد تورطهما في صدام حقيقي
الرئيس الصيني ونظيره الأمريكي
كتب: آخر تحديث:

الحرب بين الصين وأمريكا قد تقع رغم رغبة الطرفين القوية في تجنبها.

إنه العام 2030. القوات الصينية تسيطر على جزيرة يابانية في بحر الصين الجنوبي. وتبعث اليابان فريقاً برمائياً لاستعادة الجزيرة. وبعدها بوقتٍ قريب، تصل السفن الحربية والطائرات الأمريكية، بصحبة أسطول ياباني صغير. والأوامر هي كالآتي: مساعدة اليابان ومحاولة تفادي الاشتباك مع القوات الصينية.

لكن الخطة تفشل فوراً. فوفقاً لمحاكاة حربية أجراها مركز الأمن الأمريكي الجديد في واشنطن (CNAS)، يستحيل أن يتدخل الجيش الأمريكي دون تبادل إطلاق النار بين القوات الأمريكية والصينية، حسبما ورد في تقرير لمجلة Foreign Policy الأمريكية.

محاكاة لأزمة محتملة بين الصين واليابان

المحاكاة عنوانها “لعبة فتاكة: أزمة بحر الصين الشرقي 2030″، وأجريت يوم 20 يوليو/تموز (يمكنك الاطلاع عليها هنا). لكن المحاكاة كان بها جانباً غير متوقع، فقد تم إجراؤها عبر تطبيق Zoom، وقدم الموظفون بالمركز خياراتٍ للمشاركين وسمحوا لهم بالتصويت عليها ليقرروا أي إستراتيجية يجب أن يتبعها الفريق الصيني والفريق الأمريكي الياباني.

تماماً كرواية لطوم كلانسي، جرى السيناريو كالآتي: في 2030، أنزل أسطول أمريكي صغير 50 جندياً على جزيرة يوتسوري جيما في بحر الصين الشرقي، وهي واحدة من سلسلة جزر سينكاكوس المملوكة لليابان وتطالب بها الصين أيضاً. وبعد إعلان منطقة حظر تمتد لخمسين ميلاً حول سلسلة سينكاكوس، نشرت الصين حلقة من السفن والغواصات والطائرات الحربية والمسيرات، بدعمٍ من الصواريخ البالستية على البر الصيني.

 

وجهزت اليابان قوة غزو (أو تحرير، بناءً على فريقك) تتضمن سفناً هجومية برمائية، وسفناً مصاحبة، وغواصات، وقوات خاصة وضفادع بشرية، بدعمٍ من الطيران في أوكيناوا. وبالقرب منها مجموعات سفنٍ أمريكية حاملة للطائرات، وغواصات، وطائرات الشبح المقاتلة، وقاذفات القنابل.

وأمريكا والصين حريصتان على عدم حدوث مواجهة مباشرة

القواعد المبدئية للاشتباك خانقة، فالأمريكيون عليهم دعم اليابان، التي وقعت مع الولايات المتحدة اتفاقية دفاع مشترك، وتفادي الاشتباك مع القوات الصينية في الوقت نفسه. أما بالنسبة للصينيين، فالأوامر هي مهاجمة أي قواتٍ يابانية تدخل منطقة الحظر، دون التعرض للأهداف الأمريكية. وهدف الفريق الصيني (الأحمر) هو الحفاظ على الجزيرة، بينما هدف الفريق الآخر هو إجبار الصين على الانسحاب.

لكن كيف يمكن إحداث اتزان بين أهداف وقواعد اشتباك متناقضة تماماً؟ كان الاختيار الأول للفريق الأزرق (الولايات المتحدة + اليابان) متعلق بكيفية الاستعداد لوابل من الصواريخ المضادة للسفن حين يدخل الأسطول الياباني منطقة الحظر. هل ينبغي على سفن Aegis الأمريكية الدفاعية أن تطوق الأسطول الياباني لتحميه من الصواريخ، أم ينبغي على الولايات المتحدة استعمال الحرب السيبرانية والتشويش لإغلاق قنوات الاتصال بين القيادة والقوات الصينية؟ صوت 60% من المشاركين لصالح الخيار الثاني: تعطيل قنوات الاتصال مع القيادة.

يتخذ الفريق الصيني سلوكاً حذراً مشابهاً. اختار 54% من المصوتين استعمال الحرب السيبرانية من أجل قطع الاتصالات بالقيادة اليابانية، بدلاً من مهاجمة الأسطول الياباني بالصواريخ. وأصدر الحكم حكمه بأن قوات الفريق الأزرق تضررت أكثر من قوات الفريق الأحمر، لأن الفريق الأزرق متعدد الجنسيات ويعتمد أكثر على سلاسة الاتصالات.

الحرب تشهد تصعيداً غير متوقع

وفي نمطٍ معتاد في تاريخ الحروب، يكتسب التصعيد حياة مستقلة بذاته. فحين دخلت المدمرات اليابانية منطقة الحظر، بدأت السفن الحربية الصينية هجومها بإغراق الكثير منها بصواريخ الكروز. وردت المدمرات اليابانية بتدمير غواصة صينية، بينما حاولت بقية الغواصات الاختباء.

بدلاً من الاقتراب والدخول في معركة على سطح البحر مع الأسطول الأحمر، يلجأ الفريق الأزرق إلى استعمال طائرات الشبح المقاتلة F-22 وF-35، لتنضم إلى طائرات F-35 وF-15 الخاصة باليابان وتدمر الطيران الصيني المحلق بالقرب من حزر سينكاكوس، ومن بينها المسيرات الصينية التي تنقل بيانات الهدف للصواريخ البالستية المضادة للسفن، والتي تُعرف بـ”قاتلة حاملات الطائرات”.

الصين تهاجم حاملات الطائرات الأمريكية

ومع تعرض سفنهم وطائراتهم لخسائر ثقيلة، لا يجد قادة الصين مفراً من مهاجمة حاملتي الطائرات التابعتين للولايات المتحدة، وإلحاق ضرر بالغ بإحداهما. ثم في الدور الأخير، تتخذ الصين قراراً حاسماً.

فالقواعد الجوية في أوكيناوا، الجزيرة التابعة لليابان، مكدسة بالطائرات الأمريكية واليابانية. ولم تستطع بكين مقاومة ذلك الإغراء، وأرسلت وابلاً من الصواريخ دمر الممرات، وألحق ضرراً بالغاً بالقوة الجوية للفريق الأزرق. وحينها انتهى وقت المحاكاة.

 

بحلول نهاية المحاكاة، كان الوضع أقرب إلى المأزق: فالصين تعرضت لخسائر ثقيلة، لكنها ما زالت مسيطرة على جزيرة يوتسوري جيما. وعلى أي حال: الهدف من هذه المحاكاة وأمثالها ليس تحديد الرابح والخاسر. فمثلاً، هناك العديد من العوامل الذاتية أو العشوائية في المحاكاة تجعلنا لا نستطيع أن نقول إن البلد س إن استخدم الإستراتيجية ص سيفوز بالمعركة في الواقع.

فمن أجل تبسيط المحاكاة وقابليتها للتنفيذ، حذف القائمون على المحاكاة بالمركز عوامل مثل اللوجستيات، وعمليات المعلومات التي تؤثر على الرأي العام، والتوترات السياسية داخل القيادة الصينية وداخل التحالف الأمريكي الياباني.

كما غاب عن المحاكاة الأسطول الصيني المتنامي من حاملات الطائرات، وكذلك الحاملات اليابانية الكاذبة المزودة بطائرات F-35 المقاتلة. وبالطبع، هناك وعي القادة في الواقع باحتمالية نشوب حربٍ نووية.

الأسلحة التي يتفوق بها كل طرف

لكن قيمة هذه المحاكاة متعلقة أكثر بالعملية نفسها: كيف جرت الأحداث؟ ولماذا اتخذ اللاعبون هذه القرارات؟ وما أوجه الضعف والإمكانات الحربية التي كشفت عنها المحاكاة؟

قال قائد الفريق الأزرق كريس دويرتي: “من حيث الأسلحة، كلا الفريقين لديه أسلحة متقدمة. بالنسبة للصين، هناك قاذفات القنابل والصواريخ الأرضية. وبالنسبة للولايات المتحدة، هناك الغواصات وقاذفات القنابل”. وتتمتع الصين بأفضلية الأرض: فيمكنها إطلاق رشقات كبيرة من الصواريخ، ثم العودة لتسليح القاذفات من القواعد الموجودة في أماكن ملائمة على البر الصيني.

أما بالنسبة للطائرات الأمريكية فهي تعمل من قواعد بعيدة منها غوام، التي تبعد 1600 ميل عن جزر سينكاكوس، أو تحلق من قواعد أوكيناوا الجوية المزدحمة والمعرضة للقصف، وبالتالي فإن توقيت إطلاق حمولتها هو قرار صعب: فما إن تطلق قاذفة القنابل B-52 أو المقاتلة F-35 صواريخها، ستتطلب عودتها إلى القاعدة والتزود بالحمولة والعودة إلى منطقة القتال ساعات طوال. ولهذا السبب يطالب وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر ببناء قواعد أمريكية إضافية في المحيط الهادئ.

الأرض تحارب مع الصين

وأشار دويرتي إلى أن “الولايات المتحدة يمكنها إطلاق ضربات قوية من قاذفات القنابل، لكن في غياب قواعد جوية يعتمد عليها في المنطقة، ستكون مفتوحة أمام تهديد الطيران والصواريخ الصينية، ويصبح توقيت إطلاق الحمولة مشكلة كبرى. رأينا ذلك في المحاكاة، فكل ضربة كبرى وجهها الفريق الأزرق كانت فرصته الوحيدة”.

ومن الجوانب المحورية في القتال الحديث هو أن ما يمكن رؤيته يمكن تدميره، وما يظل بعيداً عن الأعين يمكن أن ينجو. حتى أكثر الصواريخ المضادة للسفن تقدماً لا يمكنها تحديد مواقع السفن في المحيط الشاسع دون بيانات الأهداف القادمة من الأقمار الصناعية والمسيرات وطائرات المراقبة. ويقول دويرتي: “هذا المسار بالغ الأهمية يخلق حافزاً ضخماً لشن هجمات مضادة لمراكز القيادة والتحكم والاتصالات والحواسيب والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، في أبكر وقتٍ ممكن من الصراع. وهذا ما فعله الفريقان. في المرات السابقة، إن لم يشن أحد الفريقين ذلك الهجوم في الخطوة الأولى، فإن وضعه عادةً ما يتدهور سريعاً في المعركة”.

الجانب المظلم.. الحرب بين الصين وأمريكا قد تقع رغم حرصهما على تجنبها

الأهم في محاكاة بحر الصين الشرقي هو التصعيد التدريجي في الهجمات. فقد دخلت الصين والولايات المتحدة الحرب عازمتين على عدم مهاجمة بعضهما البعض مباشرة، وبحلول نهاية اللعبة، دمرتا سفن وطائرات بعضهما البعض. وقد رغب الطرفان في إبقاء النزاع محصوراً في صخرة في وسط المحيط. لكن بعد بضعة أدوار، شعرت الصين بضرورة إلقاء الصواريخ على أوكيناوا.

ويقول دويرتي: “لقد استعملنا قواعد الاشتباك لكي نسيطر على المحاكاة بدرجة ما. لكن هذا قد لا يكون الوضع على أرض الواقع”.

تثير هذه المحاكاة أسئلة مقبلة لمن سيجلس في البيت الأبيض العام القادم. فقد تعهدت إدارة ترامب بتوفير الدعم الأمريكي لليابان في مسألة جزر سينكاكو، وعلى الأرجح ستقدم الإدارة الجديدة الدعم نفسه لحليف من أهم حلفاء الولايات المتحدة.

لكن محاكاة المركز أظهرت أن دعم اليابان في نزاعٍ بينها وبين الصين يحمل خطر المواجهة المباشرة بين القوات الصينية والأمريكية. وما إن تبدأ هذه المواجهة، ربما يكون من الصعب إيقافها.

التعليقات

اترك تعليقاً