حقل “نور” يغير خريطة الطاقة بالمنطقة ويضع مصر من كبار مصدري الغاز

حقل “نور” يغير خريطة الطاقة بالمنطقة ويضع مصر من كبار مصدري الغاز
الغاز
كتب: آخر تحديث:

تحولت مصر لقوة إقليمية كبيرة، في مجال تصدير الغاز الطبيعي، بعد الاكتشاف الأخير لحقل نور، الذي تم الإعلان عنه قبل أسابيع؛ ما دفع المهتمين بشؤن الطاقة للحديث عن دور هام للقاهرة في تصدير الطاقة لأوروبا

تاثير الجغرافيا في سياسات الطاقة

وبحسب صحيفة “ذا انترناشيونال انتريست” الأمريكية، تظل الجغرافيا عاملاً مهمًا في سياسات الطاقة العالمية، ويتجلى ذلك في أي مكان ولكن أكثر وضوحاُ عن غيره في أوروبا المتعطشة للطاقة وروسيا الغنية بالنفطة، وألمح لذلك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال رحلته لأوروبا في يوليو 2018.

حقل نور المصري بديل للغاز الروسي لأوروبا

وانتقد ترامب خلال رحلته لأوروبا لجوء ألمانيا لروسيا واستيرادها الغاز الروسي ووصفه ألمانيا بغنها أصبحت أسيرة لروسيا، ومع اكتشاف الغاز في مصر أصبح يوجد خيار اخر لأوروبا المتعطشة للطاقة وبذلك تغير دينماميكية سياسات الطاقة الأورو آسيوية.

155.2 تريليون احتياطي الغاز في مصر

اكتشفت مصر حقل الغاز نور في شهر يونيو 2018 قبالة ساحل شمال سيناء، وكان الاكتشاف من قبل شركة ايني الإيطالية، وتشير تقديرات انتاج الغاز نحو انتاج 90 تريليون قدم مكعب مما يزيد من الاحتياطات المؤكدة لمصر من 65.2 تريليون قدم مكعب في عام 2016 إلي 155.2 تريليون قدم مكعب، مما يجعل مصرعلى قدم المساواة مع الجزائر ونيجيريا ، ولكن يسبقها عمالقة الغاز قطر وإيران وروسيا والولايات المتحدة.

ومع اكتشاف حقل نور بجانب حقل زهر من المتوقع أن تعود مصر مرة اخري لتصبح دولة مصدرة للغاز في عام 2019.

الاضطرابات في مصر

وأشارت الصحيفة إلي الفترة التي مرت بها مصر بالنضال للإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك في عام 2011 ثم الإطاحة بحكومة جماعة الإخوان المسلمين في عام 2013، وفي عام 2014 انتخب الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيسا لمصر وسعي بقاء مصر بعيدة عن ايدي الإخوان وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وأوضحت الصحيفة أن الاضطراب السياسي في مصر في فترة ما بعد ثورة عام 2011 تسببت في إضرار الاقتصاد بشدة مما ادي الي هروب الاستثمارات الأجنبية وارتفاع العجز المالي لمستويات خطيرة وانخفضت الاحتياطيات الدولية الإجمالية، وارتفعت نسبة البطالة إلي 13.4%، ولكن مع عام 2018 ينظر للاقتصاد المصري بإنه علي الطريق الصحيح للاستقرار والتعافي وتحقيق نمو في الإنتاج المحلي.

تحديات أمام مصر

ولكن مازال هناك تحدِّياتٍ كبرى تواجه الاقتصاد المصري.، ووفقاً لأحدث تقريرٍ من مشاورات المادة الرابعة أصدره صندوق النقد الدولي، يجب بذل المزيد من الجهد لإصلاح الإطار الاقتصادي التنظيمي، وتقوية المنافسة، وتسهيل الوصول للتمويل وللأراضي، وتعزيز الحوكمة، والشفافية، والمُساءلة في المشروعات المملوكة للدولة، ودمج النساء والشباب بشكلٍ أفضل في سوق العمل، نُقطةٌ أخرى تثير القلق بالاقتصاد المصري هي العجز في الحسابين التجاري والجاري المزمنين بمصر، وفي عام 2016-2017، بلغ العجز التجاري 11.2% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين كان عجز الحساب الجاري يبلغ 6.1% من الناتج المحلي الإجمالي.

الزيادة السكانية ومشاكل النمو الاقتصادي

وبحسب المجلة الأميركية، يعد أحد العوامل الاقتصادية الإضافية في حالة مصر حجم سكَّان مصر الكبير، الذي بلغ 95.7 مليون نسمة في نهاية عام 2016، بحسب البنك الدولي. وكي يخلق الاقتصاد فرص عملٍ كافية لهؤلاء، فإنَّه يحتاج معدَّل نمو قوياً نسبياً. كان معدَّل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 4.2% في عام 2017، ويتوقَّع البنك الدولي أن يرتفع إلى 5% عام 2018. ومع أنَّ معدَّل النمو قد ازداد، فإنَّ مصر بحاجة لنموٍ أسرع من هذا.

يجب النظر إلى اكتشاف حقل غاز نور من خلال هذه العدسة الاقتصادية؛ إذ سيُساعد انخفاض أسعار النفط الاقتصاد المحلي المصري، في حين تُساعد صادرات الغاز الطبيعي في توازن الحساب التجاري والحساب الجاري. وفي اللحظة الراهنة، يُوجَّه الغاز الطبيعي المُستخرَج في مصر إلى سوق الطاقة المحلِّي المتعطِّش فقط. وعلى سبيل المثال، تأتي أكثر من ثلاثة أرباع الطاقة في مصر من محطات تعمل بالغاز الطبيعي، وازداد استهلاك الطاقة المحلي بمعدَّل 14% أيضاً في عام 2017.

تطوير البنية التحتية للغاز

ومن حسن الحظ، فإنَّ مصر طوَّرت بنية تحتية ملائمة لتجارة الغاز الطبيعي: تمتلك مصر محطَّتين لإسالة الغاز أُقيمتا على امتداد الساحل الشمالي المصري، وهذا عنصر بنيةٍ تحتية شديد الأهمية؛ إذ يُحوِّل الغاز المُستخرَج إلى سائل يُمكِن شحنه. ومع أنَّ هذا عامل إيجابي رئيسي لمصر في تطوير تجارتها بالغاز الطبيعي، فإنَّه قد يُعقِّد أيضاً سياسة الطاقة بشرقي البحر المتوسط.

اتفاق مصري إسرائيلي بـ15 مليار دولار

في فبراير 2018، عُقِد اتفاقٌ بقيمة 15 مليار دولار بين مُصدِّري غاز إسرائيليِّين وشركة مصرية، تُدعَى «دولفينوس»، يسمح لإسرائيل باستخدام محطَّات الإسالة المصرية. ومن شأن هذا الاتفاق أن يخلق سوقاً لغاز حقل ليفياثان البحري التابع لإسرائيل. وتُصدِّر إسرائيل الغاز بالفعل إلى الأردن، لكنَّها لا تمتلك محطةً للغاز الطبيعي المُسال. وبناء محطةٍ كتلك سيكون مشروعاً كبير التكلفة. ومن ثم، اعتُبِرَت محطَّات مصر غير المستغلَّة بصورة كاملة حلاً محتملاً؛ إذ يمكن لإسرائيل تصدير غازها الطبيعي إلى مصر، وربما شحنه بعد ذلك إلى أوروبا. وفي الوقت ذاته، كانت قبرص، التي قامت باكتشاف حقول غازٍ طبيعي أيضاً مؤخراً، لكنَّها هي الأخرى تفتقر إلى محطَّة إسالة، تتطلَّع إلى الشركات المصرية لمساعدتها. وعلاوة على ذلك، تجري مناقشات بشأن خطةٍ لإقامة خط أنابيب يربط بين مصر وقبرص وإسرائيل واليونان وإيطاليا.

حقل نور يرسم مصر على خريطة الكبار

أضاف اكتشاف حقل نور عنصراً جديداً إلى المشهد. السؤال الذي يواجه مصر حالياً هو الآتي: هل تحتاج مصر الآن إلى الارتباط بإسرائيل وقبرص؟ يقدِّم حقل نور لمصر مرونةً أكبر في تعاملها مع جيرانها؛ إذ إنَّ هذا الاكتشاف بجانب مشروعاتٍ أخرى للغاز الطبيعي قد يُلبّي الحاجة المحلية للغاز، ويضيف المزيد إلى قاعدة صادرات البلاد.

وفي الوقت ذاته، هناك مكاسب قد تجنيها من الإبقاء على التعاون مع قبرص وإسرائيل قائماً على جبهة الغاز الطبيعي. فكما أشار خبير اقتصاد النفط الدولي والمستشار لدى البنك الدولي ممدوح سلامة، في بداية شهر يوليو عام 2018: «بصفتها مركزاً لتجارة الغاز الدولية، ستجني مصر عائداً من تحويلها الغاز الطبيعي القبرصي والإسرائيلي، ومع الوقت اللبناني والسوري أيضاً، إلى غازٍ طبيعي مسال وإعادة تصديره بجانب الغاز الطبيعي المُسال المصري أيضاً إما إلى أوروبا وإما -على الأرجح- إلى منطقة آسيا-المحيط الهادئ، حيث يزداد الطلب على الغاز الطبيعي المُسال بوتيرة سريعة»، بحسب المجلة الأميركية.

لا تمثل مصر بالنسبة إلى أوروبا بديلاً فورياً للغاز الطبيعي الروسي. ومع ذلك، فإنَّ بعض الظروف مواتية بالفعل، وبعض الظروف الأخرى في طريقها للتحقُّق لتُصبِح مصر مركزاً رئيسياً لتجارة الغاز الطبيعي في شرقي البحر المتوسِّط، إلى جانب قيام شبكةٍ معقَّدة من مُنتجي الغاز المحتمَلين، وضمن ذلك قبرص وإسرائيل، وربما -على المدى البعيد- لبنان وسوريا.

الأمر ليس بالسهل!

وأضافت المجلة أنه علي الرغم كل ما سبق يبقى هُناك عوائق كبرى يجب تخطِّيها، ويتضمَّن ذلك قرار مصر المُتعلِّق بالمضي قدماً وحدها أم بصحبة شركاء تجاريين، إلى جانب المقاومة التركية لتطوير قبرص حقول غازها البحري، والحاجة لتحقيق درجةٍ من الاستقرار السياسي في سوريا. بيد أنَّ أمراً واحداً مؤكداً: بناء الجسور بين الدول عبر دبلوماسية الغاز الطبيعي أفضل من خوض الحروب. ومن شأن تطوير مركزٍ للغاز في شرقي البحر المتوسط، مصر في منتصفه، أن يقطع شوطاً طويلاً في بناء تلك الجسور عن طريق تقوية روابط الطاقة الإقليمية.

التعليقات

اترك تعليقاً