تقارير وتحليلات
أخر الأخبار

لعنة الاغتيالات..  إيران انموذجاً

بقلم/ محمد أرسلان علي

الكثير من المعلومات لم يتم نشرها حتى الآن في قضايا مختلفة عايشناها ونعيشها الآن وخاصة فيما يتعلق بالزعماء وأحوال تشكل الأمم منذ ما بعد الحربين العالمية الأولى والثانية وحتى حاضرنا. كثيرة هي الوثائق التي لم يفرج عنها للعامة من الشعب كي يطلع عليها ويعرف الحقيقة المخفية في سراديب الغرف المظلمة للأجهزة الأمنية لقوى المهيمنة العالمية. لم يفرج عنها لإعتبارات عدة لا يعلمها إلا قادة تلك الدول الخفية أو ما يعرف اصطلاحاً بالدولة العميقة.

الكاتب محمد أرسلان علي

طبعاً، الشعوب المغلوب على أمرها والذين لا يهمهم سوى تأمين لقمة العيش وقليلاً من الأمن والاستقرار لا يهمها ماذا دار ويدور في تلك الغرف المظلمة، بل كل ما تبحث عنه هو أن تبقى على قيد الحياة وحتى أنه لا يهمها من يكون الزعيم والرئيس وإلى أية قبيلة ينتمي، وهل أفكاره يمينية أم يسارية أم زاوج بين الاثنين معاً، لأنه في كل الأحوال ما يتم تصديره للشعوب مختلف كثيراً عن الحقيقة المرة المختبئة والتي لا يريد الشعب معرفتها، كي لا يظهر أنه تم اللعب بعقله أو استغبائه على مرّ السنوات التي كان يصفق ويمجد فيها الحاكم والزعيم.
ونتيجة الضخ الاعلامي الكبير والخطب السياسية الطويلة جدا والتي كانت عنواناً للقادة في النصف الثاني من القرن المنصرم، حيث كان خطاب الزعيم لا ينتهي ويطول ساعات والشعوب متسمّرة أمام شاشات التلفزة يتابعون الخطابات الحماسية في تدمير العدو وإلقائه بالبحر وأنها ليست سوى ساعات أو أيام وسنصلي في أولى القبلتين. مضت أعوام وسنوات وعقود ونحن نعيش أوهام تلك الشعارات التي باتت جزءاً من شخصيتنا وكينونتنا المقاومة ذات البعد والعمق القوموي من أمة عربية واحدة وأن حدودنا من المحيط إلى المحيط، وكل ما هو مختلف عنّا ليذهب ويبلط البحر.
صراع أيديولوجي كبير عايشناه في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي وحتى الآن من أن جبهة المقاومة والممانعة هي الصخرة التي ستتحطم عليها كافة الأفكار والدول الغريبة عنا. صراع ما بين القومويين العرب في من يمتلك أحقية ريادة هذا العالم في تحطيم العدو وإلقائه في البحر وأن الرفاهية ستأتي بعد هذا العمل العظيم الذي نستعد له، والذي ما زلنا نعيش أوهام الاستعداد له تحت الشعارات القوموية من قبيل “أمة عربي واحدة”، أو تحت الشعارات الدينية “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”. وبعد كل ذلك رأينا أنه لم نفلح ولم نحقق ونحصد شيئاً من تلك الشعارات سوى الخيبة واليأس، وأن الأسلحة التي تم شرائها، لم تكن لرمي العدو بالبحر كما قيل لنا، بل هي من أجلنا إذا خرجنا عن طاعة الزعيم الملهم والرئيس حفظه الله ورعاه. وأن الذي تم رميه بالبحر لم يكن سوى نفس الشعوب التي كانت تصفق وتهلهل للشعارات الفنكوشية.
لم يتبقَ من البعث والناصرية سوى الشعارات الجوفاء وكذلك تحول معظم مناصريهم لأبواق حتى هم لا يسمعون ما يقولونه. أما الدول ذات الطابع الديني وخاصة إيران ومنذ ما سُمي بالثورة الإسلامية وحتى الآن، لم تحارب سوى شعبها وجيرانها، إن كانت هي من قامت بهذا الشيء أو تم إقحامها فيه بشكل غير مباشر.




إيران التي تتلقى الضربات المؤلمة منذ فترة وخاصة في حصارها اقتصادياً وحتى اغتيال قاداتها العسكريين والنوويين والذي كان آخرهم فخري زاده، الذي اغتيل في الداخل الإيراني. بكل تأكيد إن هذا العمل مدان بكل معنى الكلمة، ولكنه يدخل في سياق الحروب والصراعات ما بين إيران والأطراف التي قامت بهذه العملية. وبنفس الوقت علينا أن نعرف أن ما قامت به إيران من عمليات اغتيال لمعارضيها لا يقل إجراماً عمن يقوم الآن باغتيال العلماء الإيرانيين. فاغتيال قاسملو وشرف كندي الزعيمين الكرديين في أوروبا من قبل أجهزة الاستخبارات الإيرانية هو نفس ما تتعرض له إيران الآن. وكذلك ما تعرض لهم العلماء والمفكرين والاكاديميين العراقيين على يد رجال أيران، لا يمكن لأحد أن ينسى تلك الأفعال المدانة أيضاً. وكذلك علينا ألا ننسى الطيارين العراقيين الذين شاركوا في الحرب على إيران أنه تم اغتيال معظمهم من قبل ايران بعد عزو أمريكيا للعراق في 2003.
أي أن ما قامت به إيران من عمليات اغتيال وتصفية لكل من يعارضها، هو نفسه ما تتعرض له الآن من إجراءات إعادة الحساب ثانية ما بين الطرفين. فكما يقول المثل الشعبي “كما تدين تدان”، فأن ما تتعرض له إيران ما هو إلا حصاد ما زرعته بيدها، وأنه جاءها الدور كي تعيش نفس الحالة التي كانت تعيشه الأطراف التي تعرضت لتلك الأفعال. إنها بكلمة مختصرة “لعنة الاغتيالات”، التي ستلاحق معظم الأنظمة التي كانت سياساتها معتمدة على ذلك من اجل استمرار سلطاتها.
بكل تأكيد لا يمكن تبرير هذه الأفعال من أية جهة كانت وأنه عمل مُدان بكل معنى الكلمة، لكن بكل تأكيد من جهة أخرى أنَّ ما اقترفته يداك سوف يعود إليك ثانية ولو بعد حين. لذلك حينما نقول أن لكل شيء أخلاق وإن فصلنا الاخلاق عنه فأنه سيتحول إلى مصيدة بمن يقوم بها. للحرب أخلاقها كما للاقتصاد والسياسة. وحينما تكون المصالح هي اليد العليا على الاخلاق، بكل تأكيد سنعيش حالة من التوحش والتنمر إن كان القوموي أو الديني. لذلك حينما قال الرسول عليه الصلاة والسلام “إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق”، لم يكن عبثاً بقدر ما كان مبدءاً. الأخلاق هي الثابتة والمصالح هي المتغير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى