ننشر أول ترجمة لسيرة المناضلة الكردية سكينة جانسيز.. “حياتي كلها صراع!” (الحلقة الأولى)

ننشر أول ترجمة لسيرة المناضلة الكردية سكينة جانسيز.. “حياتي كلها صراع!” (الحلقة الأولى)
سكينة جانسيز
كتب: آخر تحديث:

1- ولادة في ليلة الزمهرير

توطئة

سنوات عديدة كانت تُثقِل كاهلي، بسبب صدور كتاب المناضلة الكردية “سكينة جانسيز” تحت عنوان “حياتي كلها صراع”، وعدم قدرتي بالمقابل على ترجمته إلى اللغة العربية لإيصاله إلى جميع القراء المتقنين لهذه اللغة. ذلك أن المناضلة سكينة جانسيز كانت قد أنهت تدوين كتابها هذا في نهايات تسعينيات القرن الماضي. وقد تحوّل هذا العبء إلى دَينٍ عليّ الإيفاء به بصورة خاصة، سيما بعد استشهاد هذه المناضلة العريقة في 9 كانون الثاني 2013، حصيلة عملية اغتيال شنيع لها ولرفيقتَيها في النضال التحرري الكردستاني “فيدان دوغان وليلى شايلماز” في قلب عاصمة الحرية الفرنسية “باريس”.
إذ كشفَ استشهادُها مدى تأثّر النساء بها، لدرجة أن المؤتمر النسائي الأول في المشرق المتوسط، والذي كان عُقِد في مدينة آمد/ديار بكر بتركيا بعد حادثة الاغتيال المشؤومة هذه ببضعة أشهر، قد خرج بتوصيات من أهمها هو اعتبار 9 كانون الثاني يوماً عالمياً لمناهضة الجنايات السياسية. ومن حينها وحتى الآن، حصلت الكثير من الأنشطة والمؤتمرات والمنتديات النسائية الدولية والعالمية والتي تؤكد على ذلك.
كنتُ كتبتُ مقالاً عن الشهيدة سكينة جانسيز، والمعروفة ضمن حركة حرية المرأة الكردستانية بلَقَبها “سارة”، تم نشره في موقع الديوان المصري تحت عنوان: “سكينة جانسيز، رمز الثورية المتمردة”، وذلك بتاريخ 5 آذار/مارس 2018. إذ كان هذا المقال واحداً من سلسلة مقالات تناولت مسيرة نضال المرأة الكردية في التاريخ القريب، والتي تم جمعُها في ما بعد في كتاب بعنوان “المرأة الكردية، من أين وإلى أين؟”، فوصلت الطبعة الأولى منه إلى القراء عن دار “المجمّع الثقافي المصري” للنشر في بدايات العام 2019، إذ عُرِض في المعرض الدولي للكتب في القاهرة.
وهاأنذا أستأنف كتابة المقالات إلى موقع “الديوان” الإلكتروني العريق في مصر، لأقتصر في سلسلة المقالات هذه على نشر أجزاء متوالية من كتاب المناضلة الثورية والكردية المتمردة “سكينة جانسيز” إلى القراء بعد ترجمته كما هو من اللغة التركية التي كُتِبَ بها، مع إضافة بعض الحواشي حين اللزوم.
أخيراً وليس آخراً، أحب أن أنوّه هنا إلى أني سأحتفظ بعنوان كتاب سكينة جانسيز “حياتي كلها صراع”، لأنه أفضل ما يُعَبّر عن جوهر وشخصية هذه الشهيدة الكردية/الأممية. الجدير بالذكر أيضاً أن كتاب “حياتي كلها صراع” يتألف من ثلاثة أجزاء ضخمة، سأعمل على ترجمتها وإيصالها لكم/نّ بكل أمانة.
وعليه، ما من داعٍ للاستفاضة في الحديث عن “سارة” بعد الآن، ولنترك لها الكلام على لسانها وكما دوَّنَته في كتابها…

بشرى علي

ولادة في ليلة الزمهرير

عندما فتحتُ عينيَّ على النور في أولِ أيام العام 1958، في قرية “عرش الخليل” التابعة لمدينة ديرسم (١)، كان أبي يخدم في الجيش التركي. لذا، لَم أُسجَّلْ رسمياً إلا في شهرِ شباط، عندما أتى والدي في إجازة! وعليه، أصبح ميلادي الرسمي مسجَّلاً بتاريخ 12 شباط 1958. هل كانت ولادتي في ليلة الزمهرير حُسنَ طالعٍ مميز؟ يبدو أنه من الأفضل لي أن أُقنِعَ ذاتي بذلك بدءاً من هذا الأمر. إذاً، لَمِن حُسنِ الحظِّ أن أولَدَ في بداية السنة الميلادية، في منتصف الشتاء، في منطقة جغرافية تُعرَفُ بشتائِها المُثلِجِ والقارس كالزمهرير.
تتألف قريتُنا من عشرين حيّاً، يقسمها الطريق إلى نصفَين على جانبَيه. تقطن عائلة “كوجا دميرلار”(٢) في أعلى القرية، وتقطن عائلة “دويمازلار”(٣) في أسفلها. كانت كلتا العائلتَين محبوبتَين في القرية، وتتميزان بكثرة أشخاصهما. يقع منزلنا بجوار نافورة الماء، التي تتوسط القرية تماماً. أقربُ جارٍ لنا كان منزلَ العم إبراهيم، المعروف بحنكته ومزاحه ومرحه ونقاشه الجذاب وبجرأته.
يُحكى أن العم إبراهيم صارَعَ الدبّ في الحقل الذي يطلّ على قرية “جومانان” المجاورة، ما تَسَبَّبَ ذلك بشَقٍّ في بطنه، وبخروجِ أعضائه الداخلية، والتي راح العمُّ يُعيدُها بيدَيه إلى بطنه، ليَعودَ أدراجه إلى القرية وهو على هذه الحال. وغالباً ما كانوا يَطلبون منه أن يروي الحادثة عليهم مراراً. كان العمُّ إبراهيم كنايةً عن “جحا” قريتنا، إن جاز التعبير. وغالباً ما كان أهل القرية يجتمعون في السهل المنبسط أسفل النافورة وسط القرية، فتبدأ النقاشات الشيّقة، ويتغامز العجائز مُعَلّقين على أحاديث بعضهم بعضاً، ويتمازح الجميع ويمرحون وتعلو قهقهاتهم طيلة السهرة.
كانت النافورة قد بُنِيَت حديثاً. إذ جُلِبَت الماءُ من حوافِّ الجبال التي تبعد بضعة ساعات عن القرية، والمُطلّة على مدينة “مازكيرت”(٤) . ذلك أن عينَ الماء كانت تقع داخل أراضي قرية أخرى، فتم شراؤها مقابل ثمن معين. وقد تَكَفَّل شباب القرية بتأسيس القناة وبوضع الأنابيب فيها، لتصل المياه إلى النافورة. كم كانت الفرحة تغمرنا ونحن صغاراً، عندما كنا نتعَقَّب مسار تلك الأنابيب الحديدية، وكأننا في كل مرة نكتشف شيئاً جديداً. إذ بُنِيَت نافورةٌ ضخمة محاطة بالإسمنت، يتقدمها حوض واسع مستطيل الشكل. وعلى جانبَيها درجتان إسمنتيتان واسعتان وعاليتان، تُزيدان من بهاء المنظر وجماله. كانت النافورةُ ومحيطها ينضحان بالنظافة على الدوام.
كانت السيدة “غزالة” من عائلة “الحدادين”، والمعروفة بجرأتها وشجاعتها، أكثر مَن يعتني بنظافة النافورة ومحيطها. إنها امرأة ضخمة البنية، حاجباها غليظان، ووجهها كبيرٌ جداً، وكذلك أنفها الذي يتميز بمنخارَيه الواسعَين. كانت سواعدها ملفوفة، وتلبس الخلخال في قدَمها. وتظلّ “الكوفية” على رأسها مرتبة أنيقة، تغطيها دوماً طرحةٌ ناصعةُ البياض مطرَّزة ومُخَرَّمة بحَبّات الخَرَز الكبيرة. وعادةً ما تَكون نهايات تنورتها مزخرفة، وفستانها فضفاضاً يغطي المئزر والبيجامة (التي نسميها بلهجتنا الزازائية “مانيس”) ذات الأطراف المشدودة بالمطاط على كاحِليّ قدميّها. ويظل مظهرُ انحنائها على الماء بهذه الملابس التقليدية باهراً خلاباً. كانت ترش الماء يومياً حول النافورة وتشطف الأطراف، ثم تغسل يديها ووجهها وقدَمَيها، لتُعبئ بعد ذلك السطل بالماء. كانت معتادةً على ذلك. ويبدو أن هذا كان سببَ مشاهدتي وتَعَقُّبي الدائم لـ”غزالة”. إذ كانت تؤثر فيَّ وفي الجميع لمثابرتها على تنظيف النافورة، دون أن تأبه بالحر أو البرد. كانت منازل القرية نظيفة عموماً، لكن منزل “غزالة” كان مختلفاً.
نساء عائلة “الأطرش” كنّ ذوات خصائص مناقضة تماماً. فالسيدة “خايزان” كانت ذات صوتٍ ناعمٍ منخفض وشخصية سلسةٍ مطيعة، يافعة الطول وميّاسة القوام. في حين أن “غزالة” كانت متسلطة داخل المنزل وخارجه، على عكس “خايزان”. أما العجائز في القرية، فكانت علاقاتهن فيما بينهن سلسة وتتسم بالاحترام الطبيعي المتبادل، على عكس تعامل “غزالة” مع الآخرين، إذ كانت حساسةً وعصبيةً في علاقاتها. بالمقابل، غالباً ما كانت اليافعات من النساء المتزوجات يلتزمن بالأعراف والتقاليد. وبصورة عامة، لم يَكُن ثمة انغلاق أو تزَمُّت أو قمع بخصوص النساء. لكن العرائس الشابات كنّ عموماً مُلزَمات بالتقيُّد بمعايير محددة في تعاملهن مع النساء والرجال المُسِنّين. إذ تضَع الواحدةُ منهنّ الطرحة على رأسها بصورةٍ تغطي نصف وجهها أثناء حديثها إلى المُسِنّين أو رؤيتها إياهم، تعبيراً منها عن الاحترام والتقدير. ومن أعراف قريتنا أيضاً، أنّ النساء لا يتحدن بصوتٍ عالٍ، ولا يصرخن، بل ولا يتكلمن إلا في المكان والزمان المناسبَين. كما لم يَكُنّ يُرضِعن أطفالهنّ في أي مكانٍ كان، أو كنّ يغطّين على أثدائهن لدى الإرضاع. في حين أن النساء المُسِنّات أو اللواتي في منتصف العمر، كنّ يتمتعن بفسحة أوسع من الراحة في هذه الأعراف.

أمي وأبي: أبناء مجزرة ديرسم

“أمّوش” امرأة مختلفة عمن حولها. وهي أرملة البيت المقابِل لمنزلنا، على الطرف الآخر من النافورة. فكل حركةٍ من حركات هذه الأرملة، التي هي أمٌّ لستة أطفال، كانت تلفت الأنظار، وتُسيء فهمَها. لذا، لَم تَكن تحبّها النساءُ الأخريات كثيراً. إذ يَعكس سلوكُها في علاقاتها حالتَها النفسيةَ كأرملة، ويثير الاستياء والشكوك والحسد. لذا، لم تنقص النميمة عنها أبداً. وعلى الرغم من ذلك، كانت قريتنا تتميز عموماً بالتناغمِ والعلاقات الحميمة والاحترام المتبادل وقلة الشجار بين أهلها. ولم تشهد الحوادثَ التي تُفسِدُ عليها نظامها هذا.
لَم أَنسَ قط العم إبراهيم الذي كان يستمع إلى الأغاني التي يبثُّها مذياعُه القديم باللهجة الكرمانجية من اللغة الكردية، والتي كنا نسميها “كرداسكي”. وعندما يبثُّ مذياعُه مواويلَ الفنانة “عائشة شان”(٥)، التي تشرح الصدور، كان يفتح الصوت إلى أقصاه، لدرجةِ أن أهالي قرية “شكرمان” المجاورة كانوا قادرين على سماع صوتها. وأحياناً كان صوت المذياع يأتينا من تلك القرية أيضاً. كان يحدث أن يستمعَ الأهالي بفضول واضح إلى نشرة الأخبار أحياناً. فيلتزم الجميعُ الصمتَ حينها، اعتقاداً منهم أنه ثمة أمور جدية تحصل. حتى نحن الأطفال، كنا نحاكي الكبار في التزامِ الصمت والتظاهر بالجدية، على الرغم من عدم فهمنا لِما يدور حولنا.
أمي وأبي هما من أبناء مجزرة ديرسم. إذ وُلِدوا في تلك السنوات. أمي أصغر من أبي بعدة سنوات. وما يزال أبي يتذكر ويَذكرُ لنا المصاعب وحالات القمع التي شهدها بعد المجزرة. أمي هي ابنةُ “حسن حمد الكاليك” من قبيلةِ “كورايشان”، إذ يُعَدُّ جدي لأمي من وجهاء القبيلة، ويمتلك العديدَ من القرى والمطاحن والدكاكين. أي أن أمي تُعَدُّ ابنةَ عائلةٍ ميسورة. وقد تزوجَت من أبي وفق العادات والتقاليد. وهي تتسم بخصائص تتماهى مع الأعراف السائدة. أما عائلةُ أبي، فهي فقيرة. وقد تزوَّجَت جدتي لأبي مرتَين. إذ كان أبي وحيدَها من جدي لأبي، والذي كان يافع الطويل وسلس الخُلُق. ويبدو أن كُنيتَنا “جانسيز” تأتي من خصاله هذه.
لا أتذكر ملامح جَدّاي كلَيهما، لأنهما قَضَيا باكراً. تنتمي عائلةُ أبي إلى عشيرةِ “آل سليمان”، التي هي إحدى عشائرِ قبيلةِ “كورايشان”، والتي نلفظُها في لهجتنا الزازائية على شكل: “سلامان”. يبدو أن حميميةَ العلاقة بين جدي لأبي وجدي لأمي، قد لعبت دوراً مؤثراً في زواج والداي. لكنّ أمي هربَت في أول ليلة لها من زواجها، لتَعود إلى القرية، لأنها لم تَتقبّل حياةَ الفقرِ في عائلةِ أبي. إلا إن جدي لأمي رفض سلوكها هذا، وأصرّ على زواجِها، ورفضَ قبل ذلك كلَّ مَن تقدَّم بالزواج منها طيلةَ ثلاث سنوات. وقد عُرِفَت بلقبِ “عروسُ تلك العائلة” (في إشارة إلى عائلة أبي)، وفاءً لصداقتهم الحميمة. فعلى الرغم من كثرةِ المتقدمين للزواج منها، كان جدي لأمي يقول لابنته: “أنتِ عروسُ تلك العائلة، ولا يمكنني أن أزوّجك من أحد آخر”، مُعَبِّراً بذلك عن التزامه بوعده. وفي النهاية، يتمكن جدي لأمي من إقناع ابنته، لتَعودَ أدراجها إلى منزلها الزوجي. لقد حَزَّت هذه الحادثةُ في نفسِ جدي لأمي، لكنه واجهَها بالصبر والنضوج إلى أن أقنَعَها. وطالما روى لنا هذه الحادثة فيما بعد، كخيرِ مثال على مدى “إجحافِ” أمي على حد تعبيره.
كانت أمي في المهد أثناء أعوام مجزرة ديرسم. إذ لجأت جدتي لأمي، وزوجات أولادها، وأولادها الآخرون، وأحفادها جميعاً إلى غابةٍ كثيفة قريبة من “نهر منذر” للاختباء. لم تَكُن جدتي تَجدُ الوقتَ حينها حتى لإرضاعِ أطفالها. فكانت أمي تبكي جوعاً على الدوام. وخوفاً من أن يَفضحَ صوتُ بكائِها مكانَ اختبائهم، حاولَ خالي ذات مرة أن يرمي بأمي في النهر. إذ كان ثمة طريقٌ عُبِّدَت حديثاً، على الطرف الآخر من النهر مباشرة، وكانت العربات العسكرية كثيرة المرور بتلك الطريق، بل وتقف أحياناً للاستراحة هناك. لذا، كان احتمالُ سماعِ صوتِ البكاء وارداً بشدة. لهذا السبب، انتشلَ خالي أمي من حضن جدتي كي يرمي بها في النهر. إلا إن جدتي صرخت واستردت ابنتَها ثانية من بين يدَي خالي، وضغطَت على فمِها كي تَكتمَ صوتَها متوسلةً أخاها: “اهدأ، سوف أُسكِتُها، ولن يسمعَ أحدٌ صوتَها”. وهكذا تُنقَذُ حياةُ أمي. لذا، طالما سمعتُ أمي تقول، عندما تغضب أو تمرُّ عليها لحظاتٌ لا تطاق: “ليتهم رموا بي حينها في النهر ليخلّصوني من هذا العذاب!”.
جُلَّ ما كان أخوالي يروون لنا ذكرياتهم عن تلك الفترة المأساوية. لكنّ ذكرياتِ أبي حول تلك الفترة أثرت فينا أكثر. ذلك أن الأحداث التي مرّ بها كانت أكثر إيلاماً وأكبر وَقعاً. فضلاً عن أنه كان يروي الأحداث وكأنه يعيشها ثانيةً في كل مرة. كما كانت ذاكرتُه قويةً ومنتعشةً للغاية، ما دفعَه ذلك إلى عَكسِ ذكرياته تلك على أشعارِه وأغانيه وعَزفِه على البزق.
استمرت مجزرة ديرسم، التي بدأت عام 1938، حتى أربعينيات القرن العشرين. إذ تعرّضت القرى للقمع حتى عام 1945، بحثاً عن أفرادِ قبيلةِ “دامانان”. فكان يُجمَعُ شبابُ القرية ويُرسَلون إلى المخافر. كل هذه الأحداث بقيت حيةً في ذاكرةِ أبي، الذي لم يتذكر كم كان عمرُه بدقة حينذاك. كم أتمنى أن أتذكر كلَّ ما قاله لنا، إذ نادرةٌ جداً المعلوماتُ التي علقت بذاكرتي.
قال أبي عن إحدى ذكرياته تلك: “أذكرُ جيداً أن قوات الدرك أتت في ذاك اليوم إلى القرية عبر “جسرِ باكس”، فجمعَت عدداً كبيراً من الشباب، بما فيهم أبي، في ساحة القرية. وقَيَّدَتهم جميعاً إلى بعضهم البعض، وتركَتهم هكذا مدة طويلةً للجوع والعطش تحت أشعة الشمس الحارقة. ثم نَقَلتهم جميعاً إلى مخفرِ “جسر باكس”. أذكر أنني ارتميتُ حينها في حضن أبي، متوسلاً إلى الدرك أن يأخذوني معه. لكنهم دفعوني. فأجهشتُ باكياً، وبَكَت معي أمي وبقيةُ نساء القرية. وفي اليوم التالي، تشكلت مجموعةٌ قصدَت المخفرَ لاستطلاعِ الوضع. فانضممتُ إلى تلك المجموعة. وعندما وصَلْنا، أَمَرونا بالانتظار في حديقة المخفر، وأهملونا. وذاتَ مرةٍ أخرى، أمرَ ضابطُ المخفرِ الحارسَ الكردي المحلي قائلاً: “اذهب إلى قرية شكرمان، واجلب لنا الأوراق اللازمة”. لكن الحارس ذهب وجمَعَ كل نساء القرية وأتى بهنّ إلى المخفر، لأنه فَهِمَ كلمة “الأوراق” على أنها “العَورات/النساء”. وعندما رآه الضابطُ مع مجموعة النساء، قَهقَهَ بصوتٍ عالٍ قائلاً: “من المؤكد أن هذا الحارس فَهِمَ كلمة الأوراق على أنها العَورات”. وطلبَ منه إرجاعَ النسوة إلى القرية على الفور. حينها ارتحتُ، بعدما كنتُ أرتعشُ لمّا رأيتُ ذاك المنظر، خوفاً من تقييد النساء واحتجازهن أو اعتقالهن، مثلما فعلوا بأبي وبشباب القرية”.
عادةً ما كانت عينا أبي تمتلئ بالدموع عندما يقصّ علينا تلك الأحداث وغيرها. وكان يَعِظُنا دوماً أن نبقى عقلاء، وأن نتصرف برُشد، كي لا نمرّ، نحن أيضاً، بالآلام والأحداث والمصاعب التي مرّ هو بها. وكأن لسان حاله يقول: “أنى لكم أن تدركوا معنى الحياة؟ فأنتم لم تروا منها شيئاً بعد. هاكم ما عشناه نحن”.
كل تلك الأحداث كانت تجري بحجة اختباء أفراد قبيلة “دامانان” في القرية. أي أن الناس كانوا يُجمَعون ويُقَيَّدون، ويُحتَجَزون، ويُعتَقَلون، ويُعَذَّبون بناءً على “الشك”. فماذا لو كانوا فعلاً مختبئين في القرية؟ تصوّروا ما الذي كان سيحدث حينها؟

ترجمة: بشرى علي

_________

هوامش:

(١)- ديرسم: مدينة في شمال كردستان/تركيا. وقد تم تتريك اسمها إلى “تونجلي” بعد تأسيس الجمهورية التركية الحديثة. يعتنق سكانها الكرد المذهبَ العَلَوي. وقد ظلت مركزاً منيعاً للحركة الكردية القومية منذ ثورة سيد رضا عام 1936، والتي تم قمعها بتنفيذ مجازر دموية ارتقت إلى مستوى الإبادة الجماعية (المترجِمة).
(٢)- كوجا دميرلار: وتعني: عائلة الحدّادين (المترجِمة).
(٣)- دويمازلار: وتعني: عائلة الأطرش (المترجِمة).
(٤)- مازكيرت: وتُلفَظ باللغة الكردية “مازغر Mazgir”. وهي إحدى مدن محافظة ديرسم. يتحدث أغلب سكانها باللهجة الكرمانجية، وبعضهم باللهجة الزازائية (المترجِمة).

(٥)- عائشة شان: ابنة أحد الفنانين المشهورين من مدينة آمد/ديار بكر الكردية بشمال كردستان/تركيا (1938-1996). اشتهرت بأغانيها الشعبية المؤثرة باللغتين الكردية والتركية. حاربت كل عائلتها التي رفضت بشدة أن تغني، فلم يساندها في مسيرتها الفنية إلا أمها. لذا، لم تستطع العودة إلى مسقط رأسها (المترجِمة).

التعليقات

اترك تعليقاً