الانتصار للمرأة في رواية “حقيبة الرسول” لـ محمد صالح البحر

الانتصار للمرأة في رواية  “حقيبة الرسول” لـ محمد صالح البحر
غلاف حقيبة الرسول
كتب: آخر تحديث:
فراج فتح الله

 

ما من كاتب إلا وتناول المرأة بالكتابة والفحص والتمحيص، ليس لأهميتها القصوى ودورها المحوري في الحياة، ولا لأنها أحد طرفي المعادلة ذكر/أنثي فقط، ولكن من أجل استقامة واكتمال رؤية الكاتب نفسه لخدمة منظور الرواية لديه.

فنجد أن المرأة في الرواية المصرية والعربية تحتل مساحة كبيرة ومؤثرة في حركة النص، وتمثل أحيانا الدافع الأقوى لدى السارد كي يمارس فعله، ويخطط لمنظوره الحكائي الذي يسعى إلى إيجاده، لذلك فإن التعرف إلى طبيعة وجودها أساس مهم من الأسس الموضوعية والفنية في الحكاية، ولا تخلو الإشكالية من عملية موازاة فنية تحدث بين طبيعة هذا الوجود، والعالم الخارجي والداخلي الذي تمثله الحكاية بشكل عام، وتمثله كل شخصية أو فعل ينتمي إلى هذه الشخصية بشكل خاص، هذه الموازاة تكمن في طبقة الحكاية، ثم تتضح في طبيعة الأحداث والشخصيات، وتقدم آلياتها خلال مجموعة الإمكانيات السردية التي تتحدد في النص.

 

   في روايته (حقيبة الرسول) اتخذ الكاتب الروائي محمد صالح البحر من القرية مكانا للأحداث، قرية مصرية ما دون تحديد الاسم، فقط بجوار جبل شاهق الارتفاع له قمة مدببة تخترق السماء وبجوار النهر، والقرية عند الكاتب ليست مكانا حاويا للشخوص والحكايات، وليست وعاء صلدا، لكنه فاعل ومؤثر، فاستطاع اضفاء خصوصية للقرية فوق خصوصيتها، وتميزا لها فوق تميزها، وجعل المكان/ القرية بطلا رئيسا للأحداث، ولا أكون مبالغا إذا قلت إنها البطل الأول داخل الرواية، والتي قد يراها المشاهد العادي قرية صغيرة عادية يُطبق عليها الجبل بجوار النيل والترع، مثلها مثل أغلب القري المصرية التعسة تعاني من شظف العيش، وترتع في تلال من القيم والعادات والتقاليد القديمة والمتأصلة عبر العصور.

ومحمد صالح البحر يعرف أنه امتداد فيما يكتب ليحيي الطاهر عبد الله ولمحمد مستجاب، يُكمل الطريق الابداعي المغاير، مثله مثل القليل من الكتاب المتميزين ممن اتخذوا القرية المصرية مكانا ومحورا لأحداث روايتهم، والسؤال الآن: كيف اختلف محمد عن هؤلاء الكتاب؟.

الكاتب وهو في طريق اهتمامه بالقرية، وبخصوصية نظرته لها، أضاف بُعدا أسطوريا للأحداث، فمن خلال روايته يصنع أسطورة، يكتب أسطورة خاصه به، تتماس وتتقاطع هنا مع القصص الديني بوجه عام، يفعل ذلك بتأن ووعي.

رجل يتعبد أعلي الجبل، ويُرْفَعُ إلي السماء، وميت يعود للحياة، ويحاول أن يرفع عنه وعن الابن اللعنة بذبح كبش عظيم، وخيال إنسان بشري، يقاوم ملك الموت وينتصر عليه، وكلما استرسلت في الرواية تصدق كل الأحداث بها، خاصة وأنه ربطها بأحداث وتواريخ ووقائع حياتية آنية، لعل أبرزها حرب 67 وعبد الناصر، مما جعل للكتابة لديه مذاقا خاصا.

يحلق بعيدا في الزمن وفي الفراغ الكوني، يجول ويصول دون أن يفلت منه ومن المتلقي الزمام، فيرجع سريعا للزمن الآني وللواقع المعاش، فالراقصة/الجنية ترقص علي أنغام “إنت عمري” وهكذا في أكثر من موقع داخل الرواية، ويستخدم الكاتب أكثر من سارد داخل العمل، فالسرد مع الابن كسارد أول، وعلي فترات متبادلة، ومع شخوص الرواية الأم والأب ومريم والعم إسماعيل وسعاد، ويعود للسارد الأول/الابن، ويستخدم الحوار والمنولوج الداخلي، والرسائل، مما يخلق تباينا وديناميكية للنص.

ولا أجد أفضل من رأي الدكتور سيد البحراوي للتعبير عن جماليات اللغة لدي الكاتب، فهي بالفعل لغة متقنة وبناؤها محكم.

اعتني الكاتب برسم شخصيات روايته بتقنية شديدة، اختار لهم أسماء الرسل، إسماعيل وإبراهيم وموسي، وكذلك الشخصيات النسائية هاجر ومريم والعذراء بنت الشيخ موسي، والتي تأتي متساوية تقريبا مع الشخصيات الذكورية، يضع الرجل في مقابل الأنثى، زوج وزوجة، حبيب وحبيبة، ليُكمل كل منهما الآخر، يتداخلان ويتفاعلان، ونجد أن الكاتب لديه شخصيتين رئيستين، الأب والابن، تدور حولهما كل الأحداث تقريبا، وثلاث شخصيات نسائية رئيسية، الأم/الزوجة، العذراء بنت الشيخ موسي، وخطيبة الابن مريم وزوجته في آخر فصول الرواية، وكذلك بعض الشخصيات الهامشية، كامرأة موسي وسعاد صديقة مريم والتي تحمل الرسائل، وتنقل الأخبار عنها، والعديد من النساء وهن يغسلن الملابس والأواني علي شط النيل، هذا المشهد الأثير والمتكرر، وبالطبع سنحاول تناول هؤلاء النسوة الثلاث صفية، بنت الشيخ موسي، مريم بالتحليل.

الأم/صفية/هاجر:

تتميز شخصية صفية بالتطور والتصاعد بمرور الوقت، من فتاة لديها إرادة الاختيار والاصرار عليه، ثم زوجة وحبيبة تساند زوجها رغم ضعف ووهن وعجز الزوج، وأخيرا الأم المصرية الأصيلة المستكينة، والتي تحافظ علي البيت والزوج والابن وتكوينها الاجتماعي، بدأت الرواية بشخصية الأم من خلال الابن الراوي، فتشعر بأنها رزينة قوية، تداري عيوب الزوج وتتحمل ضعفه بكل الحب والإخلاص، يقول الابن/الراو صـ(8):

(…. وفي يدي تضع أمي زجاجة الماء وطبقا مغلقا علي تمرات رطبة ومبللة من اليوم السابق…./ أسير أنا جهة أمي لأطالع نفس النظرة علي عينيها، لكنها مثقلة بدموع أكثر احتجزتها الجفون ومنعت سقوطها …./ تأتي إليّ تربت علي كتفي، وتهمس كأنها توشوشني:

ــ احرص علي والدك.

والزوجة صـ(13) نفس الفقرة:

(… أبي يمتلك حياة كاملة، زوجة جميلة لها وجه وضاء في العتمة، وروح تحلق في سماء البيت فتساقط منها البسمة….)

يغير الأب اسمها من صفية إلي هاجر، وله أسبابه كما يقول لنا صـ(14):

(… لكنها هاجرت إلي أبي، وسكنت إليه…../ سماها أبي “هاجر” حتي نسيتْ اسمها الأول محبة خالصة له، وجعل يردد في كل مكان:

ــ لولا هاجر لهاجرت الدنيا من يدي.

يوالي محمد صالح البحر عناية أشد لها حتي أنه يجعلها، ساردا مع طوال الفقرة الثانية كاملة، والتي ينهيها بذكر نسب الأم بكل التفاصيل.

هي مثال للسيدة القوية القادرة، تختار رجلها وتطلبه بكل صراحة، وتحيك المؤامرة بعد الأخرى بكل ما تملك الأنثى من مراوغة، وعند اللحظة المناسبة والتي تعرفها المرأة المحبة المجربة العالمة ببواطن الأمور، تتدلل تتمنع وتهجر، حتي يأتي لها الرجل طوعا، ثم تحافظ علي الزوج والبيت بكل قوة، مرتبطة بالبيئة المحيطة بها وتكوينها الاجتماعي، تعرف أنها حفيدة الفراعنة. تعمل وتكدح في الأرض مثلها مثل الرجال، تساعد أباها في الفلاحة، وفي نفس الوقت تتمرد علي سلطته إذا تعارضت مع رغبتها، وتقفز فجرا من الشباك لتلتقي بمن اختارت، في مشهد صريح ومتكرر وله دلالته داخل الرواية، فالمرأة لا يقف شيء أمام رغباتها، مهما كانت السلطة المحيطة بها، ثم بعد أن تستقر لها الأمور تتواري وتخلص بكل ما أوتيت من قوة وجبروت لما تحب حتي النهاية، ومهما قست عليها الحياة.

تقول صـ(27): (أنا صابرة…./ سأقتل جسدي ألف مرة إذا حن إليه وهو مأزوم لا يقدر علي الإجابة، …./ لكنني أعرف أيضا أنني امرأته وأن عليّ الصبر حتى يرضي).

وأخيرا فإن صفية بنت مبارك بن أحمد المبروك العامل الأجير، تمثل المعالج الرئيس لشخصية الأب/البطل/الذكر، ترمم حالته النفسية، بعد فضيحته/هزيمته أمام أهل القرية، وأهل العذراء بنت الشيخ موسي، وبعد عودته من هزيمة 67، وهو يحمل عاهته إصابته وضعفه، جسديا وجنسيا، تصبر وتقاوم ويطول الصبر حتي تنجب له الولد، بكل ما يحمله ذلك من معاني حميدة يحتاجها الرجل.

العذراء بنت الشيخ موسي:   

يمكن أن نطلق عليها شهيدة الحب، هي ضحية بكل تأكيد لعادات وتقاليد قريتها، تدفع حياتها ثمنا لرغباتها، ويمكن أيضا أن نطلق عليها شخصية مركبة، لعبت دورين في نفس الوقت، الأول وهو البسيط والواضح كما أتي في الرواية، بنت ظهرت عليها علامات الحمل، ووفقا لتقاليد القرية يكون الزواج بديلا عن القتل، تقتل ويقتل من فعل بها، يبحثون عنه ويخيروه،

ــ لن أحتمل خطيئة فعلها غيري… صـ(17).

فإن أنكر وظل علي إنكاره، نفذوا تهديدهم، فتقتل بنت الشيخ موسي، ويشرع أهلها في قتل من يعتقدون أنه فعل بها فعلته.

بنت الشيخ موسي أحبت وعشقت وأخطأت، وكلفها ذلك حياتها.

ولأن محمد صالح البحر لا يترك حدثا يأتي مجانيا، فهي أيضا بنت الشيخ موسي الشاهدة علي فشل الرجل في علاقته بها، أتي لبلدته بعد مشاركته في نكسه 67 محملا بعار الهزيمة في أعلي درجاتها، هزيمة جيل بكامله، واصابته اصابة الرجل القصوى، فيجد من تهواه وتلقي بنفسها تحت قدميه، تبحث عن إقامة علاقة جسدية كاملة، ويجد هو في إقامة هذه العلاقة معها نوعا من الانتصار أو لنقل رد الاعتبار، فيفشل فشلا ذريعا، وتصبح مأساة الهزيمة داخله مركبة ومعقدة، خاصة إذا تكررت المحاولة معها مرتين.

يقول علي لسانه صـ54:(أن يخذل الرجل المرأة مرتين فذلك كفيل بإسقاطه من نظرها إلي الأبد، ووقوعه في بئر من الخزي لن يقدر علي الخروج من قعرها الممتد عميقا في الغور السحيق…).

فتذهب بنت الشيخ موسي لغيره، ليفعل فعلته…

وبذلك تحتل المرأة /بنت الشيخ موسي وحكايتها الفصل الرابع كله تقريبا، لتكون المرأة محورا أساسيا تدور حوله الأحداث وتتشابك وتتصاعد، مما يعزز تأثيرها الفاعل داخل العمل ولدي الكاتب.

بنت الشيخ موسي قتلتها الرغبة، والعادات والتقاليد.

مـريـم:

مريم هي لغز الرواية ومفتاحها، هي حبيبة الابن إسماعيل، يقول:

(.. بأن هذا الكهف الذي يرقد وحيدا فوق سن الجبل هو نفسه المكان الذي سألتقي فيه مع سعادتي الأبدية، لم أكن أعرف أنه المكان الذي سيصبح شاهدا علي أول لمسة ليد مريم، وأول قبلة من شفتيها الرطبتين والهشتين كجسد ” تورته ” تخرج الآن من فرن الحلواني..). صـ(11).

و صـ(31) (.. مريم…/ وحدها تضئ في ظلمة الجانب الآخر مثل جنية وحيدة وجميلة، انسيابية جسدها تشبه إلي حد كبير انسيابية جسد عروس البحر، فهل كانت هي عروس الجبل؟).

تتشابه مريم لحد كبير مع حبيبة الأب الأولي، والتي أطلق عليها الكاتب العذراء بنت الشيخ موسي، ليضيف بها بُعدا آخر، الابن اسماعيل مع الأب إبراهيم، أنظر لدلالة الأسماء هنا، إبراهيم، إسماعيل، مريم، العذراء، موسي.

مريم قمة الضعف والوهن والرقة في ذات الوقت، رفضت الزواج بابن العم وقبلت الحبيب.

صـ(34) وبدأت مريم حديثها فقالت: (… تلبية لرغبة جامحة في التمرد وجدتها داخلي، ودفعتني دفعا للخروج عن تعاليم القبيلة، للبحث عن ذاتي، محاولة للتحقق وامتلاك زمام الامور..).

تقبل كل ألوان الذل والهوان، وتترك في محبسها طويلا حتي تكون علي مشارف الموت، ثم تعود مريم للتواجد في الأحداث في الفقرة الثامنة وقبل الأخيرة بلسان الصديقة سعاد، لينقذها حبيبها بعد صراع قصير مع شيخ الموت.

اذا كان محمد صالح البحر في روايته (حقيبة الرسول) قد انتصر للمرأة ولرغبتها في التمرد علي العادات والتقاليد، والصمود من قبلها رغم كل الظروف، والتي وصلت لحافة الموت، وجَمْعُ الحبيبين معا بعد طول فراق، فقد فعل ذلك بمعجزة أسطورية، استحالة تكرارها إلا في كتابات محمد صالح البحر.

 

التعليقات

اترك تعليقاً