المستشرقون في تونس .. محاورة تشكيلية فتوغرافية ضمن مجموعة صور ولوحات فنية نادرة

المستشرقون في تونس .. محاورة تشكيلية فتوغرافية ضمن مجموعة صور ولوحات فنية نادرة
الاستشراق الفني
كتب: آخر تحديث:
بشرى بن فاطمة

لا يمكن الحديث عن “الاستشراق” دون الغوص في عوالمه الزاخرة بالتنوع والألوان داخل فضاءات لوحات فنية اعتبرت رمزا لمرحلة هامة من تاريخ الفنون التشكيلية، حيث بدأ هذا التيار كظاهرة ملموسة ومؤثرة في مطلع القرن التاسع عشر، ومازالت ملامح هذه الأعمال تجسد الشرق الحالم  المفعم بالصخب والتاريخ والرقش والزخرف والعمارة والصراع والسلوك والحياة، رسخت أسماء لفنانين مثل يوجين دولاكروا، ميلار، أرنست، بول باسكال، جورج كيسلير، جيمس لارسن، جيروم، كما لا يمكننا الحديث عن الاستشراق كمصطلح دون أن نقع على طرفي الجدل في الفكرة التي تحيطه كحركة وأهداف، تطرق لها الباحث الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق” حيث فسر التدرج الثقافي في فكر المستشرقين الذي حقق التوجه الاستعماري وبالتالي استخلاص أن فكرة الاستشراق سبقت الاستعمار، فالمصطلح يحمل معان متعددة الأبعاد ومختلفة المحاور والخلفيات الثقافية الاجتماعية والسياسية فهو كمعنى واضح طلب الشرق أو التثاقف مع الشرق والاطلاع على مجتمعاته والتأثر بسلوكياتها وتراثها وفق أساليب متنوعة الغايات، ولعلنا بهذا الطرح لن تغوص في الغايات الاستعمارية التي حملتها حركات الاستشراق بقدر ما سنتحدث عن الإرث الثقافي الذي اختزنته لوحات فنية وصور فتوغرافية عالمية لملامح الشرق وعاداته وتراثه وحضوره خاصة منطقة المغرب العربي وتونس بالتحديد وذلك من خلال مجموعة متنوعة من الصور الفوتوغرافية والأعمال الفنية عن تونس لمستشرقين من فرنسا، إيطاليا وألمانيا، روسيا، الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا، تعود تقريبا إلى سنة 1850 وهي عبارة عن توثيق بصري لمميزات الحياة في تونس وملامح الطبيعة، يصل عددها إلى200 عمل من صور ولوحات من مقتنيات “متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية” مجموعة الأعمال الفنية والصور الفوتوغرافية للمستشرقين التي تجمع أيضا أعمال عن بلدان المغرب العربي تصل إلى  3000 صورة موزعة بين مجموعة “الاستشراق” و”أجداد العرب” ومختلف مناطق الشرق.

تميزت أعمال المستشرقين الفنية عن تونس بالدقة المتناهية والثراء الطبيعي وبالوضوح  فكل صورة من هذه الصور سواء التشكيلية أو الفوتوغرافية تسرد تفاصيل الماضي وتحاكي ذلك الواقع من خلال أسلوب الحياة والتفاصيل التي قد تظهر بسيطة في زمنها لكنها مع مرور هذه العصور تعتّقت لتصبح إرثا ووثيقة غارقة في التاريخ  وصفت العادات المتنوعة والهوية الراسخة لتونس فحتى لو قصد المستشرقون من خلال تصويرها إبراز مجتمع مختلف أومتخلف حاولوا نقل تفاصيله بعلو وبتدقيق على ذلك الاختلاف بين الشرق والغرب إلا أن هذه الأعمال نجحت في أن تبرز مشاهد مميزة للحياة اليومية والنماذج البشرية المتنوعة، صورت ملامح المجتمع واهتمت بالمعمار وبكل التمازج الطبيعي والبشري الذي منح هذه الصور قيمة فنية ذات أبعاد جمالية تاريخية تستوقف المشاهد لتخلق داخله اهتماما مفعما بالحنين لذلك الماضي.

 

أصبحت هذه الصور في حاضرنا إرثا تاريخيا وفنيا وتثاقفا مزج الرؤية الغربية في الفكرة الباحثة دوما عن أسرار الشرق لفك طلاسمها واكتشافها فالشرق حمل التنوع الحضاري والديني والبشري، وهذا التنوع نشّط المخيلة وحفز لخلق أعمال فنية اتسمت بالغرابة في الأعمال الفنية التشكيلية أما الصور الفوتوغرافية فكانت نقلا مباشرا ابتعد عن الخيال الغارق في الألوان إثباتا لمدى تنوع سكان هذه المنطقة في يومياتهم وعاداتهم وتقاليدهم التي تعكس شخصية عنيدة في تمسكها بالعادات والتقاليد وبالأرض المتماهي في طبيعتها إضافة إلى تصوير ذلك التعايش بين مختلف النماذج البشرية.


قاد الانبهار بالطبيعة وملامح المدن والسكان إلى رسم تفاصيل دقيقة وربطها المستشرق بالتاريخ والحضارة مثل الهندسة والمعمار والزخرف والفنون الإسلامية والأندلسية والتركية الظاهرة على تفاصيل المدن والعمارة في الدور المحكمة الغلق والمساجد في الأنهج الضيقة والمدن وأسوارها وأبوابها بكل مميزاتها اللون والتزويق الذي يمزج الخشب والحديد في الشكل الهندسي لها والتشكيل البديع للمسامير الكبيرة السوداء التي تزينها وتختلف ألوانها بين البني والأزرق والأصفر، والشبابيك المزوقة بالأشكال الزخرفية المميزة لمدن تونس وبيوتها، إضافة إلى تصوير الآثار والمعالم الدينية المتنوعة مثل المساجد والكنائس.

 

أثرت طبيعة تونس على العديد من الفنانين المستشرقين فانعكاس الأضواء والألوان تحكم بجمالية بصرية في الأسلوب المعتمد في الفن التشكيلي باختلاف توجهاته من التعبيرية والرومنسية والتأثيرية المنجز على الخامات المختلفة القماش الخشب البلور مع الألوان الزيتية والمائية والغرافيك، مثل أعمال المستشرق الروسي “ألكسندر روبتسوف” الذي قدم أسلوبا زاخرا بالألوان تماوج مع الأضواء والظلال دفعه للتماهي مع الأشكال والملامح والانتقال والتنقل بألوانه المكتشفة داخل المساحة وكأنه يبحث في تلك الطبيعة عن منافذ لون جديدة و يجتهد ليوصل بعضا من جمالها للمتلقي، أو أعمال المستشرق الألماني “بول كيلي” الذي تأثر بالطبيعة في تونس حيث عبر في مذكراته قائلا” في تونس تنعكس الأضواء ألوانا على الأرض كلما سطعت الشمس.. تزدحم الانطباعات في ذاكرتي عن هذه المدينة حيث الإبداع والطبيعة وأنا.. يبهرني هذا الانسجام بين عمارة المدينة وعمارة اللوحة..”

لذلك كانت خصوصية الطبيعة التونسية قيمة مؤثرة لها أبعادها الجمالية والبصرية التي غاصت في مشاهد الحياة وانطلقت في ترويض الضوء المنعكس من تفاعلات السماء والبحر والشوارع في مدينة تونس  وقرطاج وسيدي بوسعيد في الحمامات والقيروان والجنوب التونسي حيث تتفجر الألوان من انبعاثات الأضواء الطبيعية التي تخترق المشهد بجمالية.

كما جسّد المستشرقون العادات والتقاليد المختلفة جغرافيا بين المناطق تونس العتيقة وأنهجها وبشريا بين المتساكنين التونسيين المسلمين، المسيحيين واليهود وركزوا على تصوير الأسواق والمتاجر والمناسبات الخاصة كالأعياد، احتفالات الزواج والختان إضافة إلى تصوير المقاهي، والحياة اليومية في المهن والحرف في اللباس والتنقل في الأسواق المتنوعة والسجاد التونسي والتطريز والزخرف والحياكة والألوان والأشكال المزخرفة ذات الخصوصية التونسية والافريقية والامازيغية والأقمشة.

كما ركزت الصور والأعمال الفنية على المرأة التي اختلفت صورتها بين البدوية واليهودية والمدنية، السيدة والخادمة الشابة وكبيرة السن وجدوا فيها عالما بديعا وأزياء غير مألوفة وعادات مختلفة ففضاؤها عالم مليء بالأسرار فكانت الجسد العاري في المخيلة التشكيلية والحريم المخفي داخل الدور وأنثى من ألف ليلية وليلة عابقة بالقصص والحكايات والعادات ونموذج صورة فوتوغرافية لبطاقة بريدية فريدة في أزيائها وملامحها.

 

وتبقى هذه الصور إرثا متنوعا استطاع أن يقدم صورة تونس الأصيلة والعريقة فكان سردا تاريخيا استطاع أن يفشي أسرارا عميقة ويثير سحرا خاصا وحنينا لذلك الماضي المختلف بأوضاعه وحالاته لأنه

عكس رؤية بصرية متنوعة الأبعاد.

التعليقات

اترك تعليقاً