رؤى التجريد وتعمق المفاهيم التعبيرية فيها في تجربة الأمريكي Fred Martin

رؤى التجريد وتعمق المفاهيم التعبيرية فيها في تجربة الأمريكي Fred Martin
التشكيلي الأمريكي فريد مارتن
كتب: آخر تحديث:

يعتبر التشكيلي الأمريكي فريد مارتن واحدا من روّاد المدرسة التجريدية في العالم حيث لم يواكب من خلالها مراحل التصعيد التطويري في المبالغات التي صاغها جاكسون بولوك بما يعني مواجهة التيارات التعبيرية والواقعية اللاتينية التي قدّمها تشكيليو اسبانيا والمكسيك وأمريكا اللاتينية ككل ولكن استوعبها كتوجه فلسفي وصاغها كمرحلة مهمة في التجرد الواعي نحو الصور اللاواعية في الذهنيات البصرية وهو ما جعله يتقمّصها كمراحل لها خصوصيتها التعبيرية في مرحلة التجريد التعبيري فيما بعد  والتي طبعت تصوراته الماورائية في مواكبة التوافق الوجودي والإنساني والحضاري في البدء التكويني على الأرض وفي الأيقونات الرمزية للأسطورة والتطور العلمي.

فقد عرف التجريد عند فريد مارتن منطلقات مختلفة ومتنوعة ميّزته في التجربة التجريدية في الولايات المتحدة الامريكية من حيث التجديد والتركيز والإشعاع والبحث على مستوى الصورة المفهوم والمشهد الماورائي في أبعاده الفلسفية، الحكمة التي وجدت توليفاتها بشكل اختلف وتماهى وتفاعل وتوافق بطريقة غير عشوائية مع كل مرحلة سلكت مساراتها أبعد في الترتيب الجمالي الباحث عن ذاتيات المعنى في اللغة البصرية.

 

فقد أسس لها دعامات ركّزها في ملامح المدرسة التجريدية الأمريكية التي ذهب بها أبعد وأعمق وأكثر اكتمالا مع الكون من حيث التجريب والبحث والدمج مع بقية التجارب الفنية والجمالية العالمية وانعكاس الرؤى الإنسانية فيها فقد خطّط مارتن للوحته التجريدية بشكل متوازن ومتناسق ومنطلق في الطبيعة حتى آخر تفاصيلها التي تتوافق مع انفعالاته وأحاسيسه وذهنياته اللاواعية على المسطّحات باختلاف الخامات.

كان مارتن يحمّل الأشكال أكثر مما هو مستوعب على إيقاع ذاكرته التي تستدرج الموسيقى في معزوفات والده والتي تصله بتفاصيلها المشهدية وكأنها مواسم من الخصب والانسياب والعواصف الحسية التي تنسكب على اللون وتتصادم مع الأشكال وهي تحاول تفسير الطبيعة في كل تواقيعها التي تتكاتبها على التراب لتنضج من خلال حكمتها الحياة.

 

 

وهو ما جعله يحمل بداخله تناغمات منسجمة مع الطبيعة وروح التجديد المبنية على استقصاء التراب والأرض في التعامل مع أساسيات التجريد والتعبير من خلالها لذلك كان عبوره من التجريد إلى التعبيرية إلى التجريد التعبيري ممنهجا وممهّدا بشكل تنظيري فلسفي وجودي وتطبيقي على مستوى المفهوم والخامة والألوان والحركة، فالتجريب مكّنه من التماثل مع الفضاء واكتساب حركات جديدة تماهى معها من خلال الفرشاة ليسخّر بها التوافق الفهمي لفكرة الفراغ حيث أنه أدخل المعنى لحضور الفراغ ودوره في خلق توازن معنوي في العمل الفني.

حيث رصد رؤاه من خلال تأملاته للأشكال وتداعياتها المتراكمة مع اللون في تطرفها المتفاعل مع الضوء وفي قربها المتباعد مع الخطوط، وهو يقوم بالكشف عن تفاصيل الشكل في تعامله مع اللون وكشف الاستفهامات الصارخة التي تستدرج المعاني التعبيرية في حواف المساحات التي يجيد التحكّم فيها.

 

 

إن أغلب اختيارات فريد مارتن التجريدية لم تكن مسقطة ولا متوجّهة نحو التجريد كتصور عام أثر في عدّة تجارب بل كأسلوب مستفز للتعبير والحركة التي كان يتداخل معها وهو يروّض فيها المشاعر المنطلقة في تحديد مسار الأشكال وتركيبها أو في توفيق الحضور المتوازن لكتلات اللون.

لقد كسر فريد مارتن في تجريبه التجريدي الفكرة الكلاسيكية عن التجريد التي تنطلق من مبدأ الاختزال والإلغاء باعتبار أن ما قدّمه تجاوز من خلال العديد من التفاسير في عمله واندرج به نحو الكثير من الفلسفات الإنسانية واستفاد بشكل كبير من مخزون الحضارات الشرقية من الحضارات الإسلامية في الفنون والثقافة والادب والتعبير إلى الفنون الصينية المبنية على الطبيعة والاختصار الجمالي بتكويناته الابتكارية المبنية على الحبر والورق والرؤى الماورائية في رصد فكرة الانسان والطبيعة وفلسفة الفراغ في الكون.

 

 

فقد أسّس لمبادئه ونقل أفكاره بانسياب ومرونة ومارسها ليفعّل ضوابطها الايقاعية وينطلق معها في توظيف المخزون التقني لمفرداته البصرية والتوافق الجمالي لعلاماتها المنسجمة والمتناغمة معا وفق الأبنية التجريدية وهو ما ساعده على خلق إيقاعاته المنسجمة مع رؤاه التعبيرية، وقد ساعدته أيضا ثقافته البصرية التي استقاها من جولاته التي تعرّف فيها على الفنون الإسلامية والزخرف على اكتساب التوازن الحركي وقدرة الامتلاء بالفراغ كمساحات ذات معنى تشكيلي عبّر عنها من خلال علاماته وأشكاله وهو يتفاعل معها من خلال ما اكتسبه من الفن الصيني فهو يعدّ أبرز فنان غربي استقى رؤاه التعبيرية على مستوى الألوان والتشكيلات والامتداد البحثي من الفنون الصينية التقليدية وبنية أعمالها التعبيرية ما ساعده على توظيف الأشكال والألوان والحركة والفراغ والامتلاء والخواء بتقنيات عميقة ومسطّحة متدرّجة ومنسكبة مفهومة وغامضة تناقضت لتخلق المعنى الأساسي من التمازج الفكري والفلسفي.

 

 

حمل التجريد في تجربة مارتن على امتدادها التعبيري وبمراحله الناضجة في تكوينات عناصره البصرية والرمزية تصورات مختلفة نبشت في الوجود والانسان والحضارة والتمازج الذي يشبه الأرض في تكويناتها فرؤاه تفاعلت فيها المشاعر بحميمية اختلطت واحتدمت وتناثرت فيها الأفكار مع الإيماءات الحركية في مظهر الشكل العام وفي مدى حضوره في المسطحات وهو ما يحيل على الانسان بدرجة أولى وما يحمله من تناقضات داخلية حاول استنطاقها وقراءتها والتصادم معها من خلال الألوان والغرابة التي لا تجرد الأشكال من قوالبها بل تضيف لها صورا جديدة في الخيال الاستيعابي المشبع بالفكرة وهي تتدارك ثغراتها بين الزمان والمكان والذاكرة وما فيها من نقديات عامة للفكر التجريدي المسقط على الفن التشكيلي لإفراغ الفن من محتواه وعمقه لأن فريد مارتن حارب الصور التجريبية التي حاولت أن تجعل من التجريد معبرا نحو اللافن وبالتالي استدرك رؤاه وجمّع نظرياته ليدمجها مع الفنون العالمية ويكسبها طابعها الإنساني الشامل لكل منجزات التعبير بالأشكال والهندسة بالألوان والخطوط وحركاتها  حتى يتماهى داخل المطلق ويتمرّد على التعبير ويبتكر منه جوانب التفرّد في الدوائر التي اختصرت عناصر الكون والتكوين في دورة الكون والحياة في الانحناءات وتكسّراتها وهي تجادل الفرشاة والمساحة وتنفذ نحو العمق وفق الإيقاع المفروض من اليد على الفرشاة وهنا يكمن التنويع المتوازي مع النضج الفكري الذي تكامل مع العناصر البصرية التشكيلية.

إن تنوع التجربة والنضج الفكري ساهم في اكتمال الرؤية التجريدية عنده في حرية الحركة والفكرة المطلقة التي تتجاوز الأشكال في المشهد لتتحول إلى تعابير منطلقة كإفصاح مجرد يجادل الخطوط ما يخضع الدلالة البصرية إلى عالم بانورامي الألوان فمارتن يجيد منح الفرشاة دورها الحي والفاعل فتتناغم روحانيا لتحرر الأشكال وتملأ الفراغات وتمسك الأفكار المنفلتة بين الواقع والخيال بين الماضي والحاضر بين جدليات وجودية مكتظة الانفعالات فرغم الهدوء المقنع الذي تفرضه تخزّن صخبا يفيض بمعارفه التي جمعها ورتبها.

“إذا نظرت بوضوح فإنك ستكون قادرا على رسم ما بداخلك وتلك هي المنظومة البصرية التي يُتيحها العمل الفني… الرسم ليس نقل الصورة كما هي من الواقع إلى اللوحة الرسم هو ما نفهمه ونبصره ويتفجر داخلنا أفكارا تنعكس منجزا… العمل الفني علاج روحي ينتشل فكرة الفناء من الحياة ويهب الشفاء الذي يمنح السكينة لتفاصيل الحياة.”فريد مارتن

 

 

الأعمال المرفقة:

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

*بعض من أعمال فريد مارتن حسب المراحل التجريبية في التجريد من سنة 1960 إلى الفترة الحالية

https://www.fredmartin.net/index.html

 

 

 

 

 

التعليقات

اترك تعليقاً