“فريد مارتن Fred Martin” مراحل عمر ملونة بجماليات الحياة، تهب نفسها للأجيال القادمة

“فريد مارتن   Fred Martin”  مراحل عمر ملونة بجماليات الحياة، تهب نفسها للأجيال القادمة
1
كتب: آخر تحديث:

كتبت.. بشرى بن فاطمة

عمره الفني معتق بالتجربة بالذاكرة التي لم تنفصل يوما عن أولى لحظات الشغف والانغماس في عالم الألوان بحثا عن الذات في تجربة لا تشبه واقعها وتتشكل من مسارات اختارها لتعكس ذاته وروحه وتعالج جروح الواقع ومراحل العمر المتفاعلة ألوانا تنتصر على الفراغ والخسارات التي يعني الاستمرار رغمها نجاحا، هو التشكيلي الأمريكي العالمي “فريد مارتن” الذي يقول “إن الفن ليس نقل صورة كما هي من الواقع إلى اللوحة ، الفن هو ما نفهمه ونبصره ويتفجر داخلنا أفكارا، فالعمل الفني علاج الروح الذي ينتشل الحياة من أفكار الفناء”.

لايزال مارتن يقدم تجربته للجيل المعاصر بحضور متصالح مع تفاصيله وانفلاتاته نحو عمق يجرد الصورة من المشهد السطحي، بسلسلة من العروض الجديدة التي تمزج كل المراحل التي خاضها وحوّل من خلالها الفكرة والخامة ووظفها بالأسلوب الفني تجريدا مبالغا في الروحانيات والعقلانيات الباحثة في الكون وتناقضات البقاء والفناء.

فريد مارتن فنان تشكيلي أمريكي ولد سنة 1927 بسان فرانسيسكو، لم ينفصل عن البحث الفني رغم سنواته التسعين التي لم تزده إلا شغفا بترويض اللون بحكمة واستدراج فكري يتمرد على المنطق، فهو إضافة إلى كونه فنانا تشكيليا هو كاتب وناقد فني وأستاذ فنون أدار عدة أروقة ومتاحف بالولايات المتحدة الأمريكية كما صنع لنفسه تجربة واسعة وعميقة وأسلوبا أنضجته خبرة السنوات الطويلة التي بدأت منذ سنة 1945 وتشكلت بشغف جعله رائدا من أبرز رواد المدرسة التجريدية في العالم.

قدم سنة 1949 معرضه الشخصي الأول، فحقق نجاحا مكّنه من العرض الجماعي والتمهيد لمسيرة متجددة من الإنجاز الفني تواصلت على امتداد السنوات والمراحل زاخرة بالأحداث والأفكار والاحتكاك بالفنانين العالميين وملامسة التجارب الفنية المختلفة ونبش الأفكار مع طلبته والتأسيس لمنهجه الخاص وبصمته المتفردة في الفن، في سنة 2003 قدّم مارتن وبمبادرة من أصدقائه معرضا فنيا ضخما ارتكز على عرض أعماله منذ بداياته الأولى حتى مسيرته المعاصرة ولم يتوقف عن العرض الذي قدمه بمفرده أو متيحا المجال للفنانين المعاصرين ممن درسوا أسلوبه في الفن ومعنى التجريد وفق ماورائية رمزية تسترجع مراحل النضج الفني  والدلالات العميقة التي حملت الكثير من المعاني ويقول فريد مارتن عن هذه المبادرة في حوار جمعه مع الباحثة ميمنة فرحات “إن هذا المعرض كان بمثابة استرجاع للمهام التي خضتها في حياتي في فترة بدأت فيها مسك أول خيط لعالمي الفني بكل إنجازاته وبأخطائي أيضا فالفن علامة تنير المسارات ومرآة تعكس ذواتنا تشفي أرواحنا من أوجاع الواقع فننتصر على خساراتنا، فكل ما فعلته كان إثارة للمتلقي بأسئلة جدلية وجودية مستحبة وغير منفرة، تنبش تفاصيله وتفاعلاته النفسية، فكم سيكون العالم مملا وبلا معنى لو اندثر التفاعل مع الفن وغابت الكلمات واختفت الألوان ولم تسمع الموسيقى، فالفن لا يمكن فصله عن الحياة لأنه في حد ذاته حياة”.

ولازال فريد مارتن يستعرض مسيرته بنشاط ينيره بألوانه وتجربته، من خلال جولاته الفنية العالمية المتواصلة.

مكّن التفاعل الفني مع مكملات الحياة والطبيعة، فريد مارتن، من خلق حكمة فنية ورؤية ناضجة مزجت الذات والروح مع الطبيعة والآخر كمعانقة تجريدية متناغمة واعية بفوضى المعاني النفسية التي يقوم بترتيب مجازها وفق تشكيلات زاخرة بالنقاط بالخطوط بالأضواء والرموز والألوان تسرد معرفيا الكون متشبثة برحمه الأول لأنه انبثاق البداية وانعكاس النور والأمل.

إن اكتمال الوعي والحرفة الفنية التي تشكل وتنحت الذاكرة المعتقة عند مارتن لم تكن اعتباطية التمثلات بل هي امتزاج الفلسفة الروحية التي تطغى على تأملاته من حيث عدة اعتبارات فهو يرى الأشياء ببصيرة تنقل عالمه الحسي إلى عالم المجردات التي تستلهم دلالات ومقاصد متنوعة وغائرة في الفهم العميق والتواصل بين الذات والحس والروح.

يعتبر فريد مارتن أن التجربة الفنية هي عمق التراكمات المتنوعة في مراحل تتعدد مفاهيمها وأحاسيسها وتفاصيل صياغتها والرؤية الإنسانية التي تبحث عن اكتمالاتها في الصفاء الروحي المتشكل من توازن المادة والفكرة بموسيقى تتناغم مع مكونات الطبيعة وتفاعلات باذخة الدقة والجماليات البصرية.

يعتمد مارتن لتنفيذ أعماله الأسلوب التجريدي فيتماهى داخله بين المطلق والتعبير فهو يختزل المشهد الطبيعي في الرمزيات الشكلية واللونية قطعا تقدم في أشكال هندسية داخل الدوائر والانحناءات في المساحة تتناغم فيما بينها وتتراقص وفق إيقاع الانفعال المفروض من اليد على الفرشاة.

إن أفكاره الفنية مشبعة بالمشاعر المختلطة والمحتدمة، ينتقل بنا داخل عالمه بتفصيلات تجريدية تفيض بالألوان وبالرموز والتعبيرات الزاخرة بالإيحاءات، تلك التي تظهر في مجسمات شكلية رمزية تحيل على البيئة والإنسان، هذه التشكيلات محمومة ومشغولة بصخب الطبيعة والعالم وصراعات نفسية داخلية يحاول استنطاقها بصريا لتتحمل قراءات جدلية حيوية تختزل نضج السنوات وتحولات الزمن الذي أكسب الفنان فكرا وإحساسا فالحزن والفرح تبارق وتراعد ومطر وعاصفة من الألوان وحركة الفرشاة توتر مفعم بالعاطفة،فهما وإدراكا، مزج مع تداخل المراحل وفق معايير فنية أكسبت الأعمال روحا نقدية وإحساسا إنسانيا عابقا بألوان ذات مقامات نفسية تبعثر الجوهر وترتب صخب المسافة المتشكلة داخل مساحة المنجز وهندسة الأشكال وتقابل الخطوط.

يعتمد مارتن عند تنفيذ أعماله على العديد من الخامات التي تختلف في وظائفها إذ ينفذ الفكرة في أعماله المتخمة بالتفاصيل، مرتكزا على القماش والورق والألوان المائية والزيتية والباستيل والقصاصات الملصقة كلها تتفاعل وتخلق توازنه المنهجي المليء بالألوان وبمنافذ الضوء بين الداكن والفاتح بين الحار والبارد فالتقنيات المعتمدة مع الحرفية المشكلة لها تخلق جدلية حيوية تمنح اللوحة حركة بصرية تمازج بين اللون والضوء داخل الفضاء الذي يضيق ويتسع ليسافر بالفكرة عبر تقلبات الوجود وتلوينات الحياة فهو عبر الأشكال والخطوط والألوان والأضواء يخلق شموسا ثم يكسرها في أقواس قزح يبعثرها داخل مساحة الطبيعة المتخيلة التي يستلهم واقعها من الأرض ومن تناقضات الفصول والمواسم ومراحل الحياة بين الخصوبة والقحط.

*الاعمال المرفقة:

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

التعليقات

اترك تعليقاً