الغاز يشعل التوترات بين مصر وتركيا وإسرائيل .. هل ينتهي بمواجهة عسكرية أو سياسياً؟

الغاز يشعل التوترات بين مصر وتركيا وإسرائيل .. هل ينتهي بمواجهة عسكرية أو سياسياً؟
الغاز
كتب: آخر تحديث:

يبدو أن التلويح باستخدام القوة صار اللغة السائدة بين الدول المتنافسة على غاز شرقي البحر المتوسط.

فقد صرّح السفير الإسرائيلي بنيقوسيا، في أثناء مشاركته مع نظيريه المصري والأمريكي في مؤتمر «القبارصة بالخارج»، الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، بأن تركيا «تقوم بأعمال مستنكرة وتحريضية للتنقيب عن الغاز الطبيعي»، ملوحاً بـ»احتمالية أن تضطر تل أبيب إلى التدخل عسكرياً بسبب التهديدات التركية».

ونقلت  قناة NTV التركية عن السفيرة المصرية تهديداً مشابهاً خلال المؤتمر، لكن المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية المصرية سارع بنفى خبر قيام السفيرة مي طه بالإدلاء بهذه التصريحات وفقاً لـBBC.

على جانب آخر، شددت السفيرة الأميركية، كاثلين دورتي، على أن موقف تركيا تجاه القبارصة «غير مقبول».

وردت الخارجية التركية مساء اليوم بتوصية «سفراء بعض الدول بعدم تجاوز حدودهم» بعد تصريحاتهم حول أنشطة التنقيب عن النفط والغاز حول الجزيرة القبرصية..

 

View image on Twitter

View image on Twitter

وكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قد لوّح قبل عدة أشهر باستخدام القوة لحماية حقوق القبارصة الأتراك (الشطر الشمالي من الجزيرة القبرصية المقسمة) في الغاز الطبيعي المكتشف بشرقي المتوسط.

لكن رغم هذه التهديدات المتبادلة، يتوقع هذا التقرير أن يتغلب الاقتصاد في النهاية على السياسة، وأن تكون خطوط الغاز هي التي تشكل تقاطعات مصالح دول المنطقة، وليس الخلافات الأيديولوجية والسياسية.

المنطقة التركية الاقتصادية (المظللة بالأخضر)، والمنطقة القبرصية الشمالية (بالبنفسجي)، والمنطقة القبرصية (بالأحمر)

حرب باردة يشعلها الغاز

إنه التوتر الذي يحكم الآن جيران كنز الغاز الطبيعي الأكبر في العالم بمنطقة شرقي البحر المتوسط، التي تعيش ما يشبه الحرب الباردة جراء التداخل بين النزاع على مناطق وجود الغاز الطبيعي، مع الصراعات الحدودية والسياسية التاريخية مثل تلك التي بين تركيا واليونان وقبرص؛ والتوترات الأيديولوجية والسياسية الأحدث كتلك التي بين تركيا ومصر وإسرائيل.

نعمة أم نقمة؟.. هكذا بدأ التوتر مع اكتشاف الغاز

تغير شرقي البحر المتوسط كثيراً في السنوات الأخيرة، بعد اكتشافات مذهلة لاحتياطيات الغاز الطبيعي. منذ استخدام تقنية المسح الزلزالي للتنقيب، أصبح من الممكن الحفر بعمق يزيد على 2000 متر، وتوالت الاكتشافات في المياه الإقليمية والدولية، وبدأ التوتر.

على خطوط التماس تقف 8 دول في مجموعتين، تربط المصالح بين أطراف كل منهما. في المجموعة الأولى مصر وإسرائيل وقبرص واليونان، في حين توجد تركيا وقبرص التركية على الجانب الآخر، إضافة لبلدان تحاول الحصول على نصيب من كعكة الغاز مثل سوريا ولبنان وفلسطين، أو المنطقة الاقتصادية لقطاع غزة بالبحر.

بدأت بالفعل حروب دبلوماسية، وانطلقت تهديدات باستهداف منشآت استخراج الغاز من البحر؛ بل وتحركت سفن حربية لتواجه حفارات استخراج الغاز، على أطراف جزيرة قبرص، وتبادلت عدة دولٍ التصريحات والتحذيرات: «لا تقتربوا من مياهنا الإقليمية».

حقل نور يضع مصر على خريطة الكبار

وأضاف اكتشاف حقل نور عنصراً جديداً إلى المشهد، حيث بات السؤال الذي يواجه مصر حالياً هو: هل تحتاج مصر الآن إلى الارتباط بإسرائيل وقبرص؟ يقدِّم حقل نور لمصر مرونةً أكبر في تعاملها مع جيرانها؛ إذ إنَّ هذا الاكتشاف بجانب مشروعاتٍ أخرى للغاز الطبيعي قد يُلبّي الحاجة المحلية للغاز، ويضيف المزيد إلى قاعدة صادرات البلاد.

وتشير التقديرات إلى احتواء حقل نور على 2.55 تريليون متر مكعَّب من احتياطي الغاز المؤكَّد، ما قد يرفع احتياطيات مصر المؤكدة من الغاز من 1.8 تريليون متر مكعب (وفقاً لتقرير شركة British Petrolium عام 2016) لتصبح 4.4 تريليون، وهو ما يضع مصر في مستوى الجزائر ونيجيريا نفسه، لكنَّها ستظل خلف عمالقة الغاز الطبيعي قطر وإيران وروسيا والولايات المتحدة. وبهذا الاكتشاف، مقترناً بالاكتشاف السابق لحقل غاز ظهر في عام 2015، من المتوقَّع أن تعود مصر لتصبح دولة مُصدِّرةً للغاز في عام 2019، حسب تقرير نشرته  مجلةThe National Interest الأميركية.

حقل نور للغاز الطبيعي المكتشف حديثاً أمام السواحل المصرية

وفي الوقت ذاته، هناك مكاسب قد تجنيها من الإبقاء على التعاون مع قبرص وإسرائيل قائماً على جبهة الغاز الطبيعي. فكما أشار خبير اقتصاد النفط الدولي والمستشار لدى البنك الدولي ممدوح سلامة، في بداية شهر يوليو/تموز عام 2018: «بصفتها مركزاً لتجارة الغاز الدولية، ستجني مصر عائداً من تحويلها الغاز الطبيعي القبرصي والإسرائيلي، ومع الوقت اللبناني والسوري أيضاً، إلى غازٍ طبيعي مسال وإعادة تصديره بجانب الغاز الطبيعي المُسال المصري أيضاً إما إلى أوروبا وإما -على الأرجح- إلى منطقة آسيا-المحيط الهادئ، حيث يزداد الطلب على الغاز الطبيعي المُسال بوتيرة سريعة»، بحسب المجلة الأميركية.

لا تمثل مصر بالنسبة إلى أوروبا بديلاً فورياً للغاز الطبيعي الروسي. ومع ذلك، فإنَّ بعض الظروف مواتية بالفعل، وبعض الظروف الأخرى في طريقها للتحقُّق لتُصبِح مصر مركزاً رئيسياً لتجارة الغاز الطبيعي في شرقي البحر المتوسِّط، إلى جانب قيام شبكةٍ معقَّدة من مُنتجي الغاز المحتمَلين، وضمن ذلك قبرص وإسرائيل، وربما -على المدى البعيد- لبنان وسوريا.

خطوط التصدير المتوقعة من الحقول source: Stratfor

وتقدر وزارة الطاقة الإسرائيلية وجود ما بين عشرة آلاف و15 ألف مليار متر مكعب من الغاز في حوض البحر المتوسط. وتحديداً في مياه إسرائيل ومصر وقبرص، وهو ما يكفي لتغطية احتياجات تلك الدول والتصدير لأوروبا عبر محطتي إسالة مصريتين أو مباشرة عبر الأنابيب. وتعمل إسرائيل حالياً في حقول تمر وليفياثان وغيرها من الحقول التي يتم تحضيرها لمرحلة الإنتاج.

تركيا فقيرة بالوقود وغنية بالجغرافيا

تبدو تركيا دولة سيئة الحظ بالمقارنة بجيرانها فيما يتعلق بالنفط والغاز؛ إذ إن إنتاجها من النفط والغاز ضئيل بالمقارنة مع جيرانها مثل أذربيجان وروسيا والعراق وإيران والشرق الأوسط الغني بالنفط، وتستورد تركيا معظم احتياجاتها من الطاقة، حيث تشكل الموارد المحلية 26% فقط من إجمالي الطلب.

عوضت الجغرافيا تركيا بميزة أخرى، هي موقعها بين هذه البلدان الغنية بالنفط والاقتصادات الغربية المتقدمة صناعياً، المستهلِكة للغاز والنفط.

وتعتبر تركيا معبراً مهماً للطاقة؛ إذ يتم حالياً نقل النفط الخام والغاز الطبيعي عبر خطوط أنابيب برية إلى تركيا، من روسيا وأذربيجان والعراق وإيران، ثم يتم نقل النفط الخام إلى المصافي بتركيا أو في الخارج.

أنابيب البترول تحت البحر وفوق السياسة

وتحاول تركيا تعويض نقص مواردها من الوقود الأحفوري بأهميتها الجيوستراتيجية لمشاريع خطوط الأنابيب. لكن ذلك يحتاج الكثير من الأموال والاستقرار، وحتى التقارب السياسي مع بلدان لا تشارك أنقرة رؤاها الإقليمية، مثل روسيا وإيران.

وهناك 4 خطوط أنابيب لتوريد الغاز إلى تركيا، اثنان منها من روسيا، أكبر مورِّد للغاز الطبيعي، التي تضخ 53% من إجمالي الاستهلاك في عام 2016، تليها إيران وأذربيجان، اللتان قدمتا 31% من إجمالي الطلب في العام الماضي (2017)، حسب بيانات القناة الرسمية التركية.

وترغب أنقرة -رغم التناقضات السياسية مع بلدان أخرى- في أن تكون مركزاً للطاقة، حيث تقع بموقع استراتيجي عند مفترق الطرق بين جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق ودول الشرق الأوسط الغنية بالنفط، والدول الأوروبية التي تحتاج إلى إمدادات النفط والغاز.

التعليقات

اترك تعليقاً