سباق تسلُّح بأكبر مدن البرازيل حول تقنيات أمن المنازل

سباق تسلُّح بأكبر مدن البرازيل حول تقنيات أمن المنازل
سباق تسلُّح بأكبر مدن البرازيل حول تقنيات أمن المنازل
كتب: آخر تحديث:

في أحد أغنى أحياء مدينة ساو باولو، أغنى مدن البرازيل، حدَّق رجل ملتحٍ بعينيه في عشرات الشاشات، التي تعرض المستقبل أمامه.

قال رجل الأعمال روي كوستا، رائد الابتكارات التي تجتاح المدينة في مجال الأمن الرقمي، لصحيفة The Washington Post الأمريكية. إنَّ هذه التقنية ستجيب أخيراً عن سؤال أثار قلق الأثرياء في البرازيل على مدى عهد طويل، ألا وهو: كيف تحافظ على سلامتك في دولة مليئة بالعنف مثل البرازيل؟

كانت الإجابة عن تساؤل النخبة في مدينة ساو باولو، تكمن دائماً في الأمن، بل ومزيد من الاحتياطات الأمنية، الجدران الخرسانية الطويلة، وأبراج الحراسة، وسياج الأسلاك المكهربة، والأضواء الكاشفة، والأبواب الحديدية المزدوجة، فضلاً عن حارس عقار للإشراف على كل ذلك. كان صاحب هذه المهنة يُعرف بـ «البواب» أو The Porteiro بالبرتغالية، وهو حارس عقار يجلس على مكتب خارج المبنى السكني ويشاهد على الأرجح مسلسلاً روائياً (تيلينوفيلا) ويفتح الأبواب ويغلقها، وهو مشهد يشكل إحدى سمات الحياة، التي يَسهُل رؤيتها وتمييزها في مدينة ساو باولو، تماماً مثل كرة القدم ومشروب الكوكتيل الكحولي الوطني البرازيلي «كايبيرينيا».

الألة بدلاً من البشر

لكن مهنة حارس العقار تقترب حالياً نحو لحظة وجودية. إذ يتجه عدد متزايد من السكان في جميع أنحاء البرازيل إما إلى الاستغناء عن حراس العقارات أو تزويدهم بأجهزة أرخص، ولكنها أكثر فاعلية، مثل ماسحات ضوئية تُحلّل بصمات الأصابع وكاميرات تنقل لقطات مصورة إلى مراكز التحكّم التي على شاكلة المركز الموجود في هذا المبنى، حيث يراقب أحد حراس العقار عن بُعد في شركة رجل الأعمال كوستا -وهم موظفون يراقبون العديد من المباني في آنٍ واحد- ويقرر من يمكنه دخول المبنى.

قال كوستا، الذي يملك شركة الأمن الرقمي Delta Omega Technology: «هذا يُغيّر وجه الأمن في البرازيل. حراس العقارات التقليديون يأخذون إجازات مرضية وينامون أثناء دوام العمل. إنَّه عامل ذو مستوى اجتماعي منخفض، ولديه قدر ضئيل من التعليم، ويحتاج إلى إشراف مستمر».

رجال حراسة يتابعون كاميرات المراقبة/ واشنطن بوست

في المقابل، يرى حراس العقارات الأمر على نحوٍ مختلف قليلاً، إذ لا يعتبرون أنفسهم مجرد حرّاس للعقار، بل إنهم مجتمع، حيث يعرفونك فيه وتعرفهم أيضاً.

ويتساءل هؤلاء: ماذا لو حدث عطل في الجهاز؟ كيف سيكون الوضع؟

قال باولو فيراري، رئيس اتحاد عمال المباني في المدينة: «هم يستطيعون الاعتناء بالسكان وعائلاتهم لأنَّهم يعرفون الإجراءات الروتينية للوحدات السكنية من استقبال للأطفال والكبار، وحتى المساعدة في توصيل الطلبات. لا يمكن فعل أي من ذلك من خلال نقل التحكّم في بوابة المبنى إلى مكتب بعيد، حيث الضغط على زر لن يوقف عملية اقتحام أو تخريب».

لا توجد إحصاءات رسمية مُسجّلة لعدد المباني التي تحوَّلت إلى نظام الأمن الرقمي في ساو باولو، أكبر مدن البرازيل، التي تُعتبر إلى حدٍّ بعيد رائدة الابتكار في مجال الأنظمة الأمنية ​​الخاصة، لكن المحلِّلين يقولون إنَّ ما يصل إلى 10% من المكاتب والمباني السكنية في ساو بولو تستخدم حالياً نظام حراسة العقار عن بعد، الذي يمكنه تنبيه المستأجرين بأنَّ زائرهم أو طلباتهم قد وصلت من دون الحاجة إلى مغادرة المكتب.

طائرات بدون طيارة للحراسة!

وبدأت بعض المجتمعات حالياً في إدخال تلك التقنية في استخدامات أكثر تطوراً مثل طائرات أمنية بدون طيار تُحلّق على ارتفاع منخفض أو تثبيت أجهزة استشعار أرضية لرصد حركة السير. وتُجرى اختبارات لطرح ماسحات ضوئية مزوّدة بتقنية التعرّف على الوجه.

أما الفائز في تلك المواجهة بين الإنسان والآلة، وبين التقنية والتقليد، فسوف يشكّل ملامح الفصل التالي في التاريخ الطويل للأمن الخاص في ساو باولو، حيث تتصادم الثروة والخوف وعدم المساواة.

ترسَّخت جذور صناعة الأمن الخاص الجديدة في قتٍ مبكر من تسعينيات القرن الماضي، مع تصاعد وتيرة العنف، وبدت السلطات عاجزة عن إيقافه. وتنامت مع تزايد المذابح، إذ ارتفع عدد القتلى في جميع أنحاء البرازيل من حوالي 50 ألفاً في عام 2010 إلى ما يقرب من 64 ألفاً في عام 2017.

وتعتبر مدينة ساو باولو حقاً أكثر مدن البرازيل أماناً. فعلى الرغم من ارتفاع معدل جرائم القتل في جميع أنحاء البلاد، تراجع في ساو باولو من 53 جريمة قتل لكل 100 ألف شخص في عام 1999 إلى 6 جرائم في عام 2017.

الأمن الخاص يزدهر

ومع ذلك، استمرَّت صناعة الأمن الخاص في الازدهار. وحسبما كتبت مارتا موراو كاناشيرو، الأستاذة في جامعة كامبيناس، في مجلة Surveillance & Society قبل عقد من الزمن: لم يكن الخوف الدافع الوحيد وراء هذا النمو والازدهار، بل أيضاً «طرح هذه التقنية باعتبارها تُمثّل مساراً تصاعدياً نحو الحداثة».

سرعان ما غمرت الكاميرات الأمنية المدينة، ثم أجهزة استشعار الحركة، ثم بوابات مزودة بفتحات خاصة لتسليم طلبات البيتزا، ومن ثمَّ تستطيع إدخال الفطائر من دون أنَّ يضطر المتلقي إلى فتح الباب.

وبحلول عام 2017، سجَّلت صناعة الأمن الخاص في البرازيل على مدار ثماني سنوات معدل نمو سنوي يتراوح بين 15% و20% مع مبيعات سنوية بلغت 26 مليار دولار، وذلك وفقاً لوزارة التجارة الأمريكية. وفاق عدد حراس الأمن عدد ضباط الشرطة بنسبة 5 إلى 1.

أصبحت صناعة الأمن الخاص في البرازيل «صناعة الخوف»، بحسب وصف جواو ويتاكر، أستاذ الهندسة المعمارية والتخطيط العمراني بجامعة ساو باولو.

هل بالفعل الأمر أصبح آمناً؟

حراس يتابعون كاميرات المراقبة/ واشنطن بوست

قال ويتاكر: «يجري غالباً إنشاء نماذج إسكان جديدة للطبقات الاجتماعية الغنية باسم الأمن، التي هي في واقع الأمر أقل أمناً». وأضاف: «كل هذا يحدث بصرف النظر عن معدل الجريمة الفعلي. كل ما يهم هو الشعور الاجتماعي بعدم الأمان».

من جهة أخرى، كان لدى لوكا موراندو، وهو رجل أعمال إيطالي يعمل في شركة لليخوت، ويعيش في مبنى سكني فاخر- طريقة أخرى لوصفها؛ إذ أطلق عليها اسم «سجن ذهبي».

كان لوكا يقف داخل فناء برج Horizonte JK السكني الواقع على طول أحد الطرق الرئيسية في ساو باولو. ثمة حديقة صغيرة هادئة في الداخل، وصوت خرير مياه النوافير، وأوراق سعف النخيل ترفرف عالياً، حيث يمكن أن تنسى تقريباً الكاميرات ومصابيح الإنارة الوامضة والبوابات خلفها مباشرةً.

لا يُدار هذا المبنى الفاخر من خلال حارس عقار، بل عبر نظام تحكم يعمل بماسح ضوئي لبصمات الأصابع.

يُصدر النظام صوتاً ترحيبياً لطيفاً بعبارة «دخول مسموح» عند وصول السكان. في حين ينطق عبارة «دخول مرفوض» بصوت تحذيري لأي شخص آخر غريب.

يحب موراندو ذلك.

وقال: «قبل ذلك، كان لدينا رجل عادي. بعد فترة من الوقت، يعرفك الرجل ويفتح لك الباب، لكنه في النهاية يشعر بعدم الارتياح لإيقاف شخص ما يعتقد أنَّه يعيش هنا؛ لأنَّه لا يريد مواجهة مشكلة. أما الماسح الضوئي لبصمات الأصابع، فلا يرتكب أخطاء».

ماذا يفعل الماسح الضوئي؟

قال خوان فرانسيسكو إن الماسح الضوئي لبصمات الأصابع لا يستطيع توصيل البيتزا رغم ذلك. كان فرانسيسكو حارس عقار شهد على مدار العام الماضي المقيمين في مجمع أبراج بحي فيلا أوليمبيا الراقي، وهم يتأقلمون مع نظام جديد أشرفت على تثبيته شركة كوستا. لكنهم اكتشفوا سريعاً أنَّ ما اكتسبوه فيما يتعلق بالكفاءة، فقدوا مقابله ما يتعلق بالتواصل البشري: شخص ما لتحيته في الصباح أو شخص ما يساعد في جلب الأمتعة.

غير أن فرانسيسكو قال مُجدَّداً إنَّ «النظام يوفر تكلفة ويقل معه عدد الموظفين. البعض يروق له ذلك، والبعض الآخر لا».

وُجدت كاميرا على ارتفاع منخفض من رؤوسنا، بينما يراقب المشهد شخصٌ ما في شركة Delta Omega.

كان هناك موظف في الشركة يُدعى مارسيلو ماريانا يأخذ استراحة في أحد أيام الثلاثاء، لقد كان «مرتاباً» عندما بدأ العمل في الشركة في وظيفة حارس عقار عن بعد، وأُسندت إليه فجأة مسؤولية أمن عشرات الآلاف من الأشخاص.

ولا يزال ينتابه نفس الشعور في بعض الأحيان.

قال مارسيلو ماريانا:  «أدير 20 وحدة سكنية في مدينة ريسيفي. أنا موجود في مدينة ساو باولو، وهم في ريسيفي!».

تبعد المدينتان عن بعضهما مسافة تزيد عن 1650 ميلاً (2.66 كيلومتر).

قال الحارس: «إنَّه الإنترنت»، كما لو أن ذلك كافٍ لشرح تلك الأعجوبة. ثم أنهى وقت

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *