قصة الأسطول العظيم الذي أغرق نفسه أمام أعدائه

قصة الأسطول العظيم الذي أغرق نفسه أمام أعدائه
غرق أسطول
كتب: آخر تحديث:

في مياه جزر أوركني، شمال اسكتلندا، قبل قرن من الزمان، غرقت 52 سفينة حربية ألمانية في يوم واحد، لكن هذه الخسارة البحرية الضخمة لم تتسبب فيها قوات العدو، بل إن الألمان أغرقوا أسطولهم بأنفسهم.

كان غرق الأسطول الألماني في بحر سكوبا فلو في نهاية الحرب العالمية الأولى بمثابة عمل تخريبي متعمَّد، أمر به قائد ألماني رَفَضَ السماح بأن تصبح سفنه غنائم حرب، حسبما ورد في تقرير لموقع BBC Mundo الإسباني.

الألمان أغرقوا أسطولهم بأنفسهم رغم انتهاء الحرب

كانت أكبر خسارة للسفن الحربية في التاريخ، وكان البحَّارة الألمان التسعة الذين فقدوا أرواحهم في ذلك اليوم آخر مَن يموت خلال الحرب العالمية الأولى؛ إذ تم توقيع معاهدة السلام التي أنهت الحرب بعد أسبوع واحد فقط.

فكيف وقعت هذه العملية الغريبة، ومَن أصدر أوامر إغراق هذا الأسطول العظيم؟

وقعت هذه الأحداث بعد انتهاء القتال في الحرب العظمى في نوفمبر عام 1918، أُمر الأسطول الألماني بأكمله بالتجمع في خور فورث، بالقرب من أدنبرة (اسكتلندا)، ليكون «مُحتجزاً» لدى قوات التحالف.

إحدى السفن الألمانية قرب سواحل إسكتنلدا/wikimedia

تم تسليم تسع سفن حربية ألمانية، وخمسة طرادات حربية، وسبعة طرادات خفيفة، و49 مدمرة كانت تمثل أحدث سفن الأسطول البحري الألماني للقوات المنتصرة في شرق اسكتلندا.

في غضون أسبوع، تم اصطحاب السفن الألمانية الـ70 إلى المياه المحمية لسكابا فلو، أمام جزر أوركني، حيث تُركت والبحارة على متنها مع أربع سفن أخرى، إلى حين تسوية قضايا السلام.

الحلفاء يختلفون حولها، الفرنسيون يريدون نصيبهم ولهذا السبب تركها البريطانيون تغرق

كان يتعيَّن اتخاذ القرار بشأن الوجهة النهائية للسفن في فرساي، فرنسا.

أرادت المملكة المتحدة والولايات المتحدة تدميرها، بينما ارتأى الفرنسيون والإيطاليون أنه من الأفضل تقسيمها بين الحلفاء.

وقال توم موير من متحف أوركني في حديثه مع موقع BBC Radio Scotland: «السفن لم تستسلم في الواقع، ولهذا لم تكن هناك قوات بريطانية على متنها لمنع الإغراق».

ويضيف: «كانت مملوكة للحكومة الألمانية، وظلَّت كذلك طوال الوقت الذي كانت فيه هنا».

القائد الألماني توقَّع أن تختطف البحرية البريطانية سفنه

لم يتم إطلاع القائد الألماني، الأدميرال لودفيغ فون رويتر، على ما يحدث خارج سفنه.

وفقاً لموير، كان مضطراً للاعتماد على تقارير من القادة البريطانيين، ونسخٍ من صحيفة Times.

كان الهدف من ذلك هو إنهاء محادثات السلام في 21 يونيو، ولكن تم تمديد الموعد النهائي، لذلك عرف فون رويتر أنهم فشلوا، وتوقع أن تعتلي البحرية الملكية البريطانية سفنه وتختطفها.

شعر الأميرال الألماني بأن عليه منع حدوث ذلك.

فبعث رسائل مشفرة لقادته

يقول موير: «لقد أرسل فون رويتر بالفعل رسائل إلى قادة السفينة، يخبرهم أنه يخطط لإغراق الأسطول».

في صباح يوم 21 يونيو 1919، استغلَّ الأسطول البريطاني الطقس الجيد لأداء تمارين خارج الميناء.

في تمام الساعة 10:30 من صباح اليوم، بعثت إيمدن، سفينة فون رويتر بالرسالة التي لا تبدو مثيرة للقلق، باستخدام الإشارات الضوئية والعاكسات.

كانت شفرة يأمر فيها رجاله بتدمير سفنهم.

وتحت سطح السفن، بدأ البحارة الألمان في فتح الصمامات التي سمحت بدخول المياه.

يشرح موير قائلاً: «لقد غمرت المياه الجميع بصورة متعمَّدة على جانب واحد أولاً، حتى تنقلب، لأن الألمان اعتقدوا أن بهذه الطريقة سيكون إنقاذ السفن أصعب».

في البداية لم يكن واضحاً ما كان يحدث. بعد ساعتين، أصبح من الواضح أن الألمان قد أغرقوا سفنهم عمداً.

أخذ البحارة الألمان قوارب صغيرة للهرب، بينما حاول عدد من البحارة البريطانيين على متن سفن البحرية الملكية تحديد ما يجب عليهم فعله.

طلبة المدارس كانوا شهوداً على المذبحة

كان الشهود المدنيون من تلاميذ مدرسة سترومنيس، وهي قرية في أوركني، كانوا في رحلة لرؤية الأسطول الألماني.

وكتبت إحدى الطالبات، ليزلي ثورب، البالغة من العمر 12 عاماً آنذاك، أن قارباً ألمانياً مليئاً بالجنود الفارين لم تكن لديه راية بيضاء، وأن البريطانيين كانوا يطلقون عليهم المدافع الرشاشة.

يقول موير: «الشيء الوحيد الذي لا ينبغي نسيانه هو أنه كان هناك رجال ماتوا في ذلك اليوم».

ويضيف: «نحن نرى في الصور قطعاً ضخمة من المعادن الغارقة، وننسى الخسارة البشرية».

طاقم إحدى السفن الألمانية في قوارب النجاة/wikimedia

يقول: «صدرت الأوامر للبريطانيين بفتح النار على البحارة الألمان العزَّل، لم يكن لديهم أسلحة، ولم يُسمح لهم بحملها».

ويعتقد أن تسعة ألمان لقوا حتفهم نتيجة لأحداث ذلك اليوم.

وهكذا محيت وصمة الاستسلام

في الساعة الخامسة مساء، اختفى معظم الأسطول البحري الألماني في مياه سكوبا فلو.

كان هيندنبورغ -أكبر طراد حربي ألماني- آخر ما غمرته المياه.

خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، تم إنقاذ العديد من السفن الـ52 بواسطة مقاولين تجاريين وتم تدميرها.

تُصنَّف الآن السفن السبع الغارقة الباقية على أنها آثار أو مواقع أثرية ذات أهمية وطنية تحصل على حماية ضد التعديلات غير المصرح بها.

في وقت سابق من الأسبوع الماضي، تبيَّن أن أربعاً من السفن، التي يمتلكها الآن مقاول غوص متقاعد، تباع على موقع eBay.

يقول موير: «غرق الأسطول الألماني مَنَعَه من التحول إلى ورقة مساومة في مفاوضات السلام، لكن البريطانيين اعتبروا ذلك عملاً عدائياً».

«في ألمانيا كان يُنظر إليه على أنه وسيلة لاسترداد بعضٍ من الشرف؛ إذ لم تسمح البحرية للسفن بالسقوط في أيدي العدو»، كما يقول موير.

أعلن عسكري ألماني رفيع المستوى في ذلك الوقت، أن هذا الفعل قد محا «وصمة الاستسلام» عن الأسطول الألماني.

التعليقات

اترك تعليقاً