نابليون.. من قائد صغير لحامي الثورة لإمبراطور أقلق أوروبا كلها

نابليون.. من قائد صغير لحامي الثورة لإمبراطور أقلق أوروبا كلها
نابليون
كتب: آخر تحديث:

تولى نابليون بونابرت، أحد أشهر القادة العسكريين في العالم، زعامة الإمبراطورية الفرنسية مرتين، وسيطرت جهوده العسكرية وشخصيته الاستثنائية على أوروباعقوداً.

أثّرت جهوده ليس فقط في الشؤون العسكرية، وإنما القانونية، والاقتصادية، والسياسية، والتكنولوجية، والثقافية وشؤون المجتمع ككل، على مجرى تاريخ أوروبا لأكثر من قرن، ويُجادل البعض بتأثيرها حتى يومنا هذا، ربما ليس فقط في أوروبا وإنما في جزءٍ أكبر من العالم، لنقرأ معاً هذا الموضوع من موقع ThoughtCoالأمريكي.

عائلة نابليون الفقيرة نسبياً والطموحة للغاية

ولد نابليون في مدينة أجاكسيو بجزيرة كورسيكا في 15 أغسطس عام 1769 لوالده كارلو بونابرت، محام وسياسي طموح، وزوجته ماري يتيتسيا. عائلة بونابرت كانت من طبقة نبلاء جزيرة كورسيكا، مع أنها كانت فقيرة مقارنة بعائلات فرنسا الأرستقراطية الكبيرة.

التحق نابليون بالأكاديمية العسكرية ببريان في عام 1779. وانتقل للمدرسة العسكرية بباريس (École Royale Militaire) في عام 1789، وتخرج فيها بعد عام ملازم ثان بسلاح المدفعية. متأثراً بموت أبيه في فبراير عام 1785، أكمل الأمبراطور المستقبلي برنامج دراسي يستغرق عادة ثلاثة أعوام في عامٍ واحد فقط.

نابليون بونابرت

نابليون: الشاب الصغير الطموح.. حامي الثورة الفرنسية

على الرغم من تعيينه في الأراضي الفرنسية الرئيسية، إلا أنه استطاع في الأعوام الثمانية الأولى أن يقضي معظم تلك الفترة في جزيرة كورسيكا بفضل مهاراته المذهلة في كتابة الرسائل وقدرته على التلاعب بالقوانين، بالإضافة إلى تأثيرات الثورة الفرنسية، (التي أدت إلى حروب الثورات الفرنسية) وأيضاً بفضل حظه الجيد. هناك لعب نابليون دوراً نشطاً في الأمور السياسية والعسكرية.

في البداية دَعَم المتمرد الكورسيكي باسكال باولي رب العمل  السابق لأبيه كارلو بونابرت. تبع ذلك الترقّي العسكري، لكنّ نابليون أصبح معارضاً لباولي وعندما اندلعت الحرب الأهلية في عام 1793، هاجرت عائلة بونابرت لفرنسا، حيث تبنوا النسخة الفرنسية من اسم عائلة بونابرت bonaparte.

دمَّرَت الثورة الفرنسية طبقة ضبّاط الجمهورية، وفضَّلَت الأفراد الذين يستطيعون تحقيق الترقّي السريع، لكنَّ ثروات نابليون تراوحت بين الصعود والهبوط مع تغيُّر الحُّكام.

بحلول ديسمبر عام 1793، أصبح نابليون بطل معركة تولون بعدما نجحت خطته في القضاء على المتمردين المدعومين من بريطانيا، وجنرالاً مُفضَّلاً لدى أوغستين روبسبير، وبعد تغيُّر دفة الثورة بقليل، أُلقِيَ القبض على نابليون بتهمة الخيانة، ولم تنقذه إلا بعض المرونة السياسية لأحد القادة (الفيكونت بول دي باراس)، ليصبح بعد ذلك بفترةٍ قصيرة واحداً من «قادة» فرنسا الثلاثة اللاحقين.

أصبح نابليون بطلاً من جديد بعد عامين فقط من تهمة خيانته، ففي عام 1795، أصبح حامياً الحكومة من غضب قوى الثورة المضادة. كافأ باراس نابليون بترقيته للعمل بمكتب عسكري مرموق، وهو المنصب الذي أتاح له القدرة على الوصول للداخل السياسي لفرنسا.

أصبح نابليون بشكلٍ سريع -وهو في السادسة والعشرين من عمره فقط- واحداً من أكثر المسئولين العسكريين احتراماً في البلاد. بفضل تعبيره عن آرائه دائماً وقد تزوّج من جوزفين دي بوارنيه في عام 1796.

نابليون بونابرت

نابليون بونابرت.. الصعود الهادئ قبل العاصفة

هاجمت فرنسا النمسا عام 1796. استلم نابليون قيادة الجيش بإيطاليا، بعد ذلك حوّل جيشٌ ساخط وصغير في السن ومتضور جوعاً لقوة عسكرية حقَّقت انتصاراتٍ تلو الأخرى ضد خصمٍ نمساويّ أقوى نظرياً.

عاد نابليون لفرنسا بعد ذلك بعامٍ واحد باعتباره نجماً للأمة الفرنسية، إذ لم يعد بحاجة لشخصٍ يرعاه. وكمُروّج عظيم لنفسه، استطاع الحفاظ على صورة السياسيّ المستقلّ، ربما بفضل الجريدة التي كان يديرها بنفسه.

بحلول منتصف عام 1798، غادر نابليون لحملة على مصر وسوريا، مدفوعاً برغبته في انتصاراتٍ جديدة، وبحاجة فرنسا لتهديد وجود الإمبراطورية البريطانية في الهند، وقلق حكومة المديرين من استحواذ جنرالهم المشهور على السلطة.

فشلت الحملة على مصر عسكرياً مع أن تأثيرها الثقافيّ كان كبيراً، وأجبرت التغييرات في الحكومة بفرنسا نابليون على الرحيل، أو كما يقول البعض التخلي عن جيشه والعودة في أغسطس عام 1799، بعد بداية حملته بسنة وثلاثة أشهر فقط.

بعد أن شارك في انقلاب برومير في نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام أصبح عضواً في حكومة القناصل الجديدة بفرنسا.

القنصل الأول

ربما لم يكن لعملية انتقال السلطة أن تكون سلسة لولا الحظ وشعور اللامبالاة. ولكنّ قدرات نابليون العسكرية كانت واضحة. في فبراير/شباط 1800 أصبح نابليون القنصل الأول، تقريباً كديكتاتور؛ بتشريعاتٍ مفصلة لتناسبه كلياً.

لكنّ فرنسا كانت لا تزال في حربٍ مع دولٍ أوروبيةٍ أخرى واستطاع نابليون أن يظفر بالنصر على خصومه. واستطاع تحقيق ذلك في عامٍ واحد فقط، مع أن النصر الأكبر لم يكن لبونابرت! فقد كان في معركة مارينغو منتصف عام 1800 بقيادة الجنرال دوزيه.

من مُصلح لإمبراطورٍ أوحد

بعد الانتهاء من اتفاقيات تركت أوروبا في حالة سلم، بدأ بونابرت بالعمل على شؤون فرنسا، مُصلحاً الاقتصاد والنظام القانوني (مثل قانون نابليون الشهير الذي مازال مستمراً) والكنيسة والجيش والتعليم والحكومة. حيث درس وعلّق على أدق التفاصيل، غالباً في سفرياته مع الجيش. وبقيت الإصلاحات مستمرة لمعظم فترة حكمه. أبدى نابليون مهاراته كمُشرع ورجل سياسي مخضرم.

 نابليون بونابرت

ظلّت شهرة نابليون عالية، بفضل إتقانه للدعاية لنفسه وبفضل الدعم الوطني الذي حصل عليه، وقد انتخب قنصلاً مدى الحياة وإمبراطوراً لفرنسا بواسطة الشعب الفرنسي في عام 1802. وهو اللقب الذي عمل جاهداً للحفاظ عليه وتمجيده. كما ساعدت مبادرات مثل الميثاق مع الكنيسة، وقانون بونابرت على الحفاظ على مركزه.

بالطبع كان انتخابه إمبراطوراً لفرنسا مدى الحياة، بعدما استغلّ عدة محاولات لاغتياله لصالحه.

عودة الإمبراطور الجديد للحرب

لم تكن أوروبا في حالة سلم لفترة طويلة، كانت شهرة نابليون وطموحه وشخصيته مبنية على غزواته وحروبه، فكان خوض جيشه الكبير المعاد تنظيمه حروباً إضافية أمراً حتميّاً. سعت دول أوروبية أخرى للصراع، ليس فقط لعدم ثقتهم وخوفهم من نابليون لكنهم أيضاً حافظوا على عدائهم نحو دولة فرنسا الثورية – خوفاً من تصدير الثورة الفرنسية لشعبها.

في الثماني سنوات التالية -وكان سنة 31 عاماً- سيطر نابليون على أوروبا كلها تقريباً، محارباً ومنتصراً على مجموعاتٍ من الحلفاء والتي شاركت فيها النمسا وبريطانيا وروسيا وبروسيا معاً.

كانت انتصاراته ساحقة في بعض الأحيان مثل معركة أوسترليتز في عام 1805 والتي يُشار إليها بأنها من أعظم الانتصارات العسكرية على الإطلاق. وفي أحيانٍ أخرى إما حالف نابليون الحظ أو حارب حتى النهاية أو كليهما.

أنشأ نابليون ولاياتٍ جديدة في أوروبا بما في ذلك الاتحاد الألمانيّ الذي تم بناؤه من أنقاض الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وأيضاً دوقية وارسو، مع منح أعضاء عائلته والمفضّلين عنده مناصب ذات نفوذ واسع. استمرت «الإصلاحات» وأصبح لنابليون تأثير متزايد على الثقافة والتكنولوجيا، فأصبح راعياً لكلٍ من الفنون والعلوم ومُحفزاً الاستجابات الإبداعية في جميع أنحاء أوروبا.

عبقرية نابليون بونابرت لم تمنع الكارثة العسكريّة في روسيا!

هل هناك معركة خسر فيها نابليون بونابرت؟ نعم، كان ذلك في إمبراطوريّة روسيا الضخمة.

ربما أظهرت الإمبراطورية النابوليونية علاماتٍ على الانتكاس بحلول عام 1811 بما في ذلك التراجع في الثروات الدبلوماسية والفشل المستمر في إسبانيا، لكنّ مثل هذه الأحداث طغت عليها الأحداث الأخرى بعد ذلك أيضاً.

ففي عام 1812، ذهب نابليون إلى الحرب ضدّ روسيا، حيث جمع قوّةً تضمُّ أكثر من 40,000 جندي، برفقة نفس العدد من المناصرين والكثير من الدعم. مثل هذا الجيش كان من شبه المستحيل إطعامه أو السيطرة عليه بشكلٍ كاف. تراجع الروس مرّات عديدة عبر مساحات أراضيهم الضخمة، مما أدى إلى تدمير الموارد المحلية وعُزل جيش نابليون عن إمداداته.

تردد نابليون باستمرار، حتى وصوله لموسكو في 8 سبتمبر 1812 بعد معركة بورودينو، الصراع الدموي الذي مات فيه أكثر من 80,000 جندي، وبالرغم من ذلك رفض الروس الاستسلام، بل أحرقوا موسكو وأجبروا نابليون على انسحابٍ طويل، والتقهقر إلى أراضي صديقة.

 نابليون بونابرت

واجه الجيش الكبير لنابليون الجوعَ والأحوال الجوية القاسية والمحاربين الروس المروّعين المدافعين عن وطنهم طيلة الوقت، وبحلول نهاية عام 1812، لم يتمكن سوى 10 آلاف جندي من القتال، وكثير من الباقيين ماتوا في ظروفٍ مروّعة وكان مناصرو المعسكر في حال أسوأ بكثير.

جرَّت محاولات انقلاب أثناء غياب نابليون عن فرنسا، وتم تنشيط أعدائه في أوروبا، مشكلين تحالفاً كبيراً هدفه الإطاحة بنابليون. في حين تقدم العديد من جنود العدو من جميع أنحاء أوروبا نحو فرنسا لإسقاط الحكم في الولايات التي أنشأها بونابرت. استخدمت القوة المشتركة لروسيا وبروسيا والنمسا وغيرها خطة بسيطة، حيث تراجعت عن الهجوم على الإمبراطور نفسه وتقدمت مرة أخرى عندما كان يتحرك لمواجهة التهديد التالي.

تنازل نابليون بعد الكارثة العسكرية الفادحة

خلال عامي 1813 و1814 زاد الضغط على نابليون. لم يقتصر الأمر على قيام أعدائه بسحق قواته وتقدُّمهم إلى باريس، لكنّ البريطانيين نجوا من قتالهم في إسبانيا وتوجهوا إلى فرنسا، وكان أداء قادة الجيش الفرنسي الكبير ضعيفاً، وفقد بونابرت دعم الشعب الفرنسي.

مع ذلك، أظهر نابليون في النصف الأول من عام 1814 عبقريته العسكرية الشابة، لكنّها كانت حرباً لم يستطع الفوز بها بمفرده. في مارس/آذار 1814، استسلمت باريس لقوات التحالف دون قتال، وفي ظل خيانة هائلة وصعوباتٍ عسكريةٍ مهولة، تنازل نابليون عن لقب إمبراطور فرنسا ونُفي إلى جزيرة إلبا الإيطالية.

منفى الإمبراطور الثاني والأخير

قام نابليون بعودةٍ مثيرة إلى السلطة في عام 1815. سافر إلى فرنسا سراً، مجتذباً دعماً كبيراً واستعاد عرشه الإمبراطوريّ، فضلاً عن إعادة تنظيم الجيش والحكومة. بعد سلسلة من الاشتباكات الأولية، كاد أن يهزم نابليون في واحدة من أعظم معارك التاريخ: واترلو.

حدثت هذه المغامرة الأخيرة في أقل من 100 يوم، انتهت بتنازل نابليون الثاني عن لقب الإمبراطور في يونيو 1815، حيث أرسلته القوات البريطانية إلى المنفى مرة ثانية في سانت هيلانة، وهي جزيرة صخرية صغيرة بعيدة عن أوروبا، حيث تقلّبت صحة نابليون ومزاجه. وتوفي في غضون ست سنوات، في 5 مايو 1821، عن عمر يناهز 51 عاماً.

إرث نابليون بونابرت الكبير

ساعد نابليون في إطالة حالة الحرب الأوروبية التي استمرت لمدة 20 عاماً. قليلون هم من كان لهم هذا التأثير الهائل على العالم والاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والثقافة والمجتمع.

قد لا يكون نابليون جنرالاً ذا عبقرية غير مسبوقة، لكنه كان جيداً للغاية، ربما لم يكن أفضل سياسيّ عصره، لكنه كان في الغالب استثنائياً، ربما لم يكن مشرعاً مثالياً، لكنّ مساهماته كانت مهمة للغاية.

مستعيناً بالحظ أحياناً، وبالموهبة أو قوة الإرادة أحيان أخرى، استغل نابليون مواهبه ليخرج من الفوضى إلى الازدهار، ثم إلى بناء إمبراطورية وإدارتها وتدميرها بشكلٍ مذهل قبل القيام بكل ذلك مرة أخرى في صورةٍ مصغّرة بعد أقلّ من عام واحد من نفيه. سواء كان بطلاً أو طاغية، فقد ترددت أصداءه في جميع أنحاء أوروبا لمدة قرن.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *