آراء

بشرى علي ..العمل النسائي أفضل كفاح ضد العنف الذكوري

نحن النساء، استقبلنا اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة هذا العام متسلحات بوعي نسوي أصيل، وبنهضة نسائية منظمة أفضل من أي وقت مضى، استذكاراً للأخوات ميرابال، اللواتي كافحن ضد نظام تروخيلو الديكتاتوري، فكانت حادثة اغتيالهن بدايةً لنهاية هذا النظام الغاشم وللقائد المستبد؛ وكذلك استذكاراً لكل النساء المناضلات اللواتي كافحن ضد الذهنية الذكورية السلطوية على مر التاريخ.
الأمر لا يقتصر على الاستذكار، بقدر ما أنه انتقام لكل النساء اللواتي تعرضن للاعتداء والاغتصاب ولشتى أنواع العنف الذكوري، وبالأخص في منطقة الشرق الأوسط. ولعل الإشارة إلى ضرورة الانتقام لأجل المرأة الإيزيدية التي تعرضت للسبي والاغتصاب والإتجار بها في أسواق النخاسة على يد التنظيم الظلامي داعش سيكون أمراً في محله بهذه المناسبة.
لقد تحولت الذهنية الذكورية إلى نظام راسخ بأقصى الدرجات مع عصر الحداثة الرأسمالية الحالي، والذي يُعَد بالنسبة للمرأة تحديداً عصراً ظلامياً. حيث تشير العديد من إحصائيات المنظمات النسائية والحقوقية الإقليمية والدولية إلى تزايد نسبة العنف المسلط على المرأة بشتى أنواعه بأعلى الدرجات وبنحو ممنهج وفي كافة المجالات. ففي بعض الإحصائيات تؤكد بعض المنظمات الدولية على أن آلاف النساء يتعرضن لشتى أشكال العنف خلال جزء من الثانية!
الطامة الكبرى تكمن في أن هذه الذهنية لا تقتصر على الأسرة كأصغر خلية في المجتمع. بل وتتخذ طابعاً عالمياً عبر مؤسسات الدولة على اختلاف أشكالها ومسمّياتها. فجنايات الشرف، حالات الانتحار أو القتل العمد، بخس الأجر النسائي عموماً، شبكات الإتجار بالنساء، تعدد الزوجات، زواج القاصرات، الزواج الإرغامي، التهجير والترحيل، الحروب الدموية، الإفقار والبطالة، الاعتقال، الحرمان من حق التعليم، العنف الأسري وغيرها الكثير من الظواهر غالباً ما تنفَّذ بنحو ممنهج من قبل مؤسسات الدولة وسلطاتها أو بإشرافٍ منها وبنحو عابر للقوميات والأوطان وتحت اسم القانون (مقترح تعديل قانون الأحوال الشخصية في البرلمان العراقي مؤخراً خير دليل على سبيل الذكر وليس الحصر).
لذا، فمن الضروري جداً أن يكون النضال ضد الذهنية الذكورية السلطوية في كافة مجالات الحياة وعلى جميع المستويات، ومحصَّناً برؤية نسوية أصيلة تعرف تاريخ المرأة، وتدرك إرثها النضالي، وتتمثل محاسنه، وتستخلص العبر من نواقصه وأخطائه. ويبدو أن أهم شرط علينا التحلي به نحن النساء في كفاحنا، هو التمتع بإرادتنا الحرة وممارسة نشاطاتنا بهويتنا الأنثوية العريقة، والتخلص من شوائب الذهنية الذكورية العالقة في عقليتنا وشخصيتنا، والمعششة فينا حصيلة حملات القصف الذهني المتواصلة ضد المرأة على مر آلاف السنين.
ما من شك في أن النشاطات النسوية تبرز اليوم أكثر من أي وقت مضى. لكن الهجمات الممنهجة التي تستهدف المرأة تقتضي بطبيعة الحال تنظيماً نسائياً مترامي الأطراف، عابراً للقوميات والحدود. ولعل التشبث بمبدأ الدفاع الذاتي يتميز بأهمية مصيرية بالنسبة للمرأة. المقصود من الدفاع الذاتي، هو إدراك الذات ارتباطاً بالتاريخ والحاضر والمستقبل من جهة، وانطلاقاً من أبعاد المكان والجغرافيا من جهة أخرى، وبرؤية نسوية علمية وسوسيولوجية عصرية؛ لإعادة المعاني الحقيقية إلى المصطلحات الاستراتيجية والحياتية التي تحدد مسار ومصير المرأة والبلاد على السواء.
فرغم الإرث النضالي النسائي العظيم، إلا أنه من المؤسف أننا –نحن النساء- نفتقر إلى هذه الثوابت الحيوية التي لا غنى لنا عنها لإنجاح كفاحاتنا الدؤوبة. فالتشتت داخل “أُمّة” المرأة، يجعل الكثير من الطاقات المبذولة مبعثرة، ولا تصب في مجرى موحد في الزمان والمكان المناسبين، مما يفوِّت علينا الكثير من الفرص. وعليه، فمثلما أن “التعايش المشترك” بين الشعوب هو ترياق البلاد للنفاذ من الفوضى العارمة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، فإن “العمل المشترك والتحالف النسائي” هو الترياق المصيري للوصول بالطاقات النسائية الدفاقة إلى النتائج المرجوة. وإذ ما رسخنا ذلك شرق أوسطياً، فإن الضربة القاضية تكون قد لحقت بالحداثة الرأسمالية الذكورية بامتياز بكل تأكيد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى