منوعات

أمريكي شاهد على إعدام 400 شخص

التعليمات بسيطة ومباشرة «فلتنفِّذ أيها الآمِر»، بتلك الكلمات من مسؤول أحد سجون تكساس، تبدأ عملية الإعدام في الولاية الأكثر تنفيذاً لأحكام الإعدام في أميركا.

تغير لون الحجرة منذ كتب مايكل غراتشيك، صحفي أميركي لدى وكالة Associated Press الأميركية، أول مرةٍ عن إعدامٍ منذ 25 عاماً. تغير تكوين الغرفة، وكذلك أيضاً تغّير السرير الذي يُقيَّد فيه السجين بأحزمة جلدية.

بالطبع، السجين دوماً مختلف. لكن تلك الكلمات ثابتةٌ بالنسبة إلى آمر السجن، وكذلك ناتجها -الموت. ومن الثوابت أيضاً حضوري أنا.

أثناء عمله صحفياً، كان شاهداً على ما يفوق 400 عملية حقنٍ بمادةٍ سامَّةٍ منذ وصلت إلى ولاية «النجم المنفرد» في صيف 1983.

لوكالته مقعد محجوز في كل عملية إعدام

كتب عن وجباتهم الأخيرة

لم يكن غراتشيك متأكداً من الرقم بالتحديد، يخبره الناس بأنه أكثر مما رآه أي أميركي آخر. وبما أن تكساس تنفِّذ هذه العقوبات أكثر من أي ولاية أخرى، على الأرجح هذا صحيح.

تُعد وكالة Associated Press أكبر منظمةٍ جامعةٍ للأخبار في العالم، وبحسب لوائح السجون في تكساس، لها مقعدٌ محجوزٌ في حجرة الإعدام في هانتسفيل، الواقعة على بعد 110 كم تقريباً شمالَ هيوستن.

لم يحضر أول عملية حقنٍ بمادةٍ سامةٍ في أميركا في ديسمبر/كانون الأول 1982، لكن مذاك الحين حضر أو شارك في كل العمليات الأخرى في تكساس تقريباً. «وهذا كثيرٌ من الموت» بحسب وصفه.

حتى أنه سمع طلباتهم الأخيرة، ورأى أعينهم وكتب عن وجباتهم الأخيرة. شاهد 3 نساءٍ يُعدَمنَ. وفيما عدا جنسِهِنَّ، فالعملية سيان.

كل قضيةٍ مختلفةٌ عن سابقتها

ربما تكون كل قضية مختلفة، لكن كل السجناء كانوا مُدانين بقتل شخصٍ على الأقل وكان كلهم راقدين على بُعد بضعة أمتارٍ مني على ملاءة بيضاء تغطي طاولةً من الفولاذ المقاوم للصدأ مثبَّتةً في الأرض المُبَلَّطة بانتظار الحقن بالمادة السامَّة.

ولكن من المستحيل نسيان أول إعدام

 

كان أول من رآه غراتشيك هو جيمس ديفيد أوتري. بعد منتصف ليلة 14 مارس/آذار 1984، كان إعدام أوتري مشحوناً على نحوٍ غير معتاد فقد أُجِّل بضعةَ أشهرٍ بعدما عطَّلت المحكمة العليا الأميركية عقوبته قبل دقائق من موته.

جاء الإنقاذ المؤقت لأوتري بعدما وُضِع على السرير في حجرة الإعدام، والإبر في عروقه تحمل محلولاً ملحياً تحضيراً لمزيجٍ من

الأمر يتطلب فقط ثلاثة عقاقير مميتة

بهدف القضاء عليه.

وكان العامل البالغ من العمر 29 عاماً قد حُكم عليه بالإعدام بتهمة قتل أحد عاملي متاجر المستلزمات العامة في 1980 بالرصاص في خضم شجارٍ حول سعر صندوقٍ من زجاجات الجعة.

وقد تعرض شخصان آخران حاضران في المشهد لإطلاق النار في الرأس. وأدى ذلك إلى مصرع أحدهما، وكان قسّاً كاثوليكياً سابقاً عن عمر يناهز الـ43 عاماً.

لكن محامِي أوتري ومعارضي إعدامه قد جادلوا بأن هذه المعاملة تنتهك حمايته الدستورية ضد العقوبات القاسية وغير المعتادة. ولم تفلح حججهم، لكن تأثير تلك الليلة مستمر حتى اليوم: لا يُنقل سجين في تكساس الآن إلى عنبر الإعدام قبل تسوية كل الاستئنافات.

من بين الشهود الخمسة المسموح لأوتري بدعوتهم إلى إعدامه كانت امرأةٌ كوَّنت معه صداقةَ مراسَلةٍ.

عند بدء مفعول العقاقير، بدأت تبكي وتنوح على انطفاء نور «عينيه البنيتين الجميلتين». وبعد دقائق، بعدما بدا أن عينيه قد انفَتَحَتَا لا إرادياً، تصاعدت عواطفها إلى مستوى جديد.

كانت وظيفة غراتشيك حينها كتابة رواية شخصية عن وجوده في حجرة الإعدام وتقديم تقرير مشترك لعشرات الصحفيين والمصورين الذين مُنعوا من الدخول. على هذا انصبَّ تركيزه: تأدية عمله. وما زال كذلك حتى اليوم.

هل لديك أقوال أخيرة قبل الإعدام؟!

لم يُجِب أوتري بشيءٍ حين سأله الآمر إذا كانت لديه أقوالٌ أخيرةٌ. لكن لا يلتزمون جميعاً الصمت مثله.

لقد بكى سجناء، وقالوا نكاتاً، وتحدثوا بلغات أجنبية، وألقَوا قصائدَ، وغنُّوا، وتلفظوا بألفاظٍ نابيةٍ. وأصرُّوا على براءتهم، وأعربوا عن ندمهم، وأخبروا أشخاصاً بأنهم يحبونهم، وشكروا فرقاً رياضيةً على إمتاعهم. قال أحدهم إنه يحب من يحبونه و»سحقاً لبقية العالم».

وكانت هناك أحداث درامية.

أحدهم كان يخفي مفتاحاً بفمه، ثم وقع منه عندما مات

بتمرُّدٍ، أخرج بونتشاي ويلكرسون من فمه مفتاحاً للأغلال قبيل ثوانٍ من إعدامه بتهمة القتل في 14 مارس/آذار، 2000. كان قد أُدين بقتل تشانغ ميونغ يي، 43 عاماً، في ختام سلسلة جرائم استمرت شهراً من سرقات السيارات، والأشخاص والاغتيالات من نوافذ السيارات.

طوال ذلك اليوم كان ذو الـ28 عاماً يضايق حرَّاس السجن، ورفض مغادرة زنزانته القريبة من حجرة الإعدام. فآل بهم المطاف إلى استعمال غاز مُخدِّر عليه وربطه بقيودٍ إضافيةٍ بالمحفَّة.

وعند بدء مفعول العقاقير المميتة، أخرج المفتاح من فمه وسقط من على جانب وجهه قبل أن يمسك به الآمِر مصعوقاً. لا يعرف أحدٌ كيف حصل عليه. قال قسيسٌ كان يقف بجواره إن السجين قد غمغم قائلاً: «السر، كما لويلكرسون»، إلا أن ذلك لم يصل إلى مسامعنا نحن الصحفيين.

سؤال يطرحه كثيرون على صحفي «الإعدامات» إن كانت الكوابيس ترتاده أو الذكريات تطارده من مشاهدة كل هذه الوفيات. والإجابة هي لا. لكن مع ذلك، أذكر جوناثان نوبلز، المُدان بطعن شابَّتين حتى الموت، الذي غنَّى «Silent Night – الليلة الصامتة» في لحظاته الأخيرة.

لكن أكثر ما يكرهه أن يقول أحد السجناء على السرير إنه أراد أن يحكي جانبه من القصة ولم يحظَ بفرصة.

كواليس يوم الإعدام

يوم الإعدام، يحتشد الصحفيون أمام السجن، وعمره 100 عام، هانتسفيل يونيت هو أقدم سجن في ولاية تكساس ويشغل مساحة أحياء سكنية كاملة. ويتميز بأسواره العالية من الطوب الأحمر التي أكسبته لقب «وحدة الأسوار». وترى ساعةً كبيرةً أعلى البابين الأماميين الزجاجيين، اللذين هما الآخران عاليان عن الطريق بما يقرب من دزينة سلالم.

تلك هي السلالم المحاطة بدرابزين نحاسي سميك التي يصعد عليها غراتشيك في السادسة مساءً، الموعد الذي ينص قانون تكساس على تنفيذ عقوبات الإعدام فيه. ويمتد تصريح الإعدام حتى منتصف الليل.

لكن لم تكن الحال كذلك دائماً. ففي حالة أوتري، والكثيرين ممن تبعوه، كان تصريح الإعدام ممتداً من منتصف الليل حتى شروق الشمس.

وجعل ذلك محامي رايموند كينامون -الذي أطلق النار على رجل في ظهره- يستمرون في المرافعة في قضيته حتى الفجر، في ما بدت محاولةً للمماطلة حتى شروق الشمس والهروب من تنفيذ الحكم. واستمرت أقواله الأخيرة قرابة 25 دقيقةً، لكن لم تفلح جهودهم وأُعدِم. لن نعرف نواياه أبداً. فلم يستطع أن يسأله.

لعقودٍ، أمضى السجناء عند إحضارهم إلى زنزانة «بيت الموت» في هانتسفيل ساعاتهم الأخيرة على بعد أمتارٍ من صناديق تحوي «أولد سباركي» مفكَّكاً، وهو الكرسي الكهربائي الذي أُعدم فيه أكثر من 360 سجيناً في تكساس منذ منتصف العشرينيات حتى مطلع الستينيات عندما أوقفت المحكمة العليا حكم الإعدام.

وسمحت المحكمة ذاتها بعد عِقدٍ بالرجوع إلى تنفيذ عقوبة الإعدام. وبينما ما زالت الكراسي الكهربائية تُستَعمل في بعض الولايات في ما تُسمَّى بالحقبة الحديثة لعقوبة الإعدام، فهي لا تُستَعمل على نطاقٍ واسعٍ اليوم. إذ تحوَّلت تكساس إلى الحقن، و»أولد سباركي» يقبع الآن في متحف سجون على بعد كيلومترات حيث يمكن للزوار أن يأخذوا صوراً معه، وهم يفعلون ذلك.

إذاً هكذا تتم العملية

عندما يدخل الصحفيون حجرة الإعدام عبر فناءٍ صغيرٍ وبابٍ فولاذيّ، يكون فريق من ضبَّاط السجن قد أعدُّوا السجين للحقن. عادةً، يضعون إبرتين في ذراعيه على الجانب العلويِّ من المرفقين. ويُربط هو أو هي بأحزمة على الكاحلين والرسغين والساقين والصدر. وتكون ذراعا السجين ممدودتين. إذا نظرت من أعلى، لرأيت مشهداً أشبه بالصَلبِ يرقد فيه السجين.

يستطيعون تحريك رؤوسهم، إما برفعها أو تحريكها من جانبٍ إلى جانبٍ. وفوق رؤوسهم ميكروفون موصَّل بسماعات في غرفتي مشاهدة صغيرتين. ويقف الآمر عند رؤوسهم. ويقف قسيس عند أقدامهم.

وفي غرفةٍ مجاورةٍ، يُسمح لخمسة من أقارب السجين أو أصدقائه بالمشاهدة. ويمكن للسجين أيضاً اختيار خمسة شهود.

والشهود الإعلاميون الخمسة، آخر من ندخل إحدى الغرفتين، اللتين من صغر مساحتهما يمكنك على الأرجح أن تلمس كلا الحائطين إذا بسطت ذراعيك. ويعني ذلك أنك قد تُضطر إلى أن تشرئبَّ من فوق الأكتاف أو بين الرؤوس لكي ترى من خلال قضبان السجن الموضوعة بين نافذتين بلاستيكيتين.

لا توجد مقاعد. يُسمَح لهم بإحضار قلمٍ ومذكرةٍ فقط. وممنوع التقاط الصور. وفورَ إعطاء الأمر للآمر بالتنفيذ، يسأل السجين إذا كانت لديه أقوال أخيرة. وبعد ذلك، يحقنونه بالعقاقير عبر أنابيب بلاستيكية تمتدُّ من غرفةٍ مجاورةٍ. والجلاد هو موظف من مصلحة السجون لا يراه ولا يعرفه ويمكنه أن يرى حجرة الإعدام عن طريق نافذة مغطاة بمرآة من جهة واحدة.

في المعتاد، يأخذ السجين أنفاساً عميقةً، وقد يلهث، ويغطُّ، ثم تخفت أصواته، ثم تتوقف كل الحركات. مرَّت أقل من دقيقةٍ، وفي أغلب الأحيان أقل من 30 ثانيةً. بين حينٍ وآخر، قبل أن يفقد السجين وعيه، يقول إنه يستطيع تذوق البنتوباربيتال أو شمه، وهو المخدِّر القوي الذي تستعمله تكساس عقاراً للإعدام. وقال البعض إنه باردٌ، وقال آخرون إنه ساخنٌ.

وكان البعض متحدِّين. فمثلاً، غاري غراهام، الذي أُعدِم لجريمة قتل في سوق هيوستن، صرخَ لاعناً عقوبته الظالمة وحاول تخليص نفسه من القيود. وهناك آخرون كانوا متقبِّلين لمصيرهم. فالكثيرون، مثل أوتري، لا يتفوهون بكلمة.

فورَ فقدان السجين وعيه، وتوقف كل الحركات، يستمر عاملو السجن في حقن العقار حتى نفاد الجرعة. بعد 15 إلى 30 دقيقةً، يصل طبيبٌ ليعلن وفاة السجين. ويقوم بفحصٍ سريعٍ، وينصت إلى وجود نبضٍ أو تنفسٍ، وينظر في أعينهم بكشَّاف، ثم يرفع بصره نحو ساعةٍ رقميةٍ على الجدار الطوبي الأخضر ويعلن توقيت الوفاة.

فتدرك كم الحياة ثمينة. وكيف يمكن إنهاؤها في لمح البصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى