ثقافة وفنون

Erik d’Azevedo  تشكيل الفوضى الهادفة .. التجريب التجريدي اكتشافا للمفهوم

يصل الفن في التصوّر الأولي الذي يجمع الشغف بالإنجاز تطرّفا يتماهى ليثبت أن الفكرة هي الأصل الخالد في العمل وأن محبّة الفن إلى درجة الجنون، هي عقل اختار مسارات أخرى للتعبير وبحثا آخر عن المنطلق الأول للمنجز.

 

 

فحين تقترن صورة لاإنسانية بتصوّرات إنسانية يقف أمامها الاختيار بين الاكتمال للعرض والتفادي للاندثار، يكون موقف الفنان قبول إتلاف لوحاته وإنهاء معرضه ، رغم أن ذلك الفنان يعتقد أنه “حين يرسم يكون في تماس داخلي مع الخالق وأنه يغوص في السلام الكامل”، لذلك اختيار مشاهدة أعماله تفنى وهي تُحمل بجرافات خارج المرسم بموقع نزاع، كان سببا لاكتسابه فلسفته الفنية والبصرية المتفرّدة ولإنهاء تواصله مع دور العرض والمتاحف، فكان الصراع هو الاندفاع الفني والتواصل المتصادم ذلك التصرّف المبني على فلسفة الفناء والتماهي معها حتى لو وصل إلى القضاء على اسمه التشكيلي إنه “إيريك دازافيدو” عايش التجاذبات الفكرية والثقافية والفنية والإنسانية قبل انطلاقته من حيث العرض وتقديم أسلوبه، لحقت تلك العملية التي اختار بها إنهاء لوحاته الجدارية وذلك الموقف الذي أفنى به أعماله رفضا من قبل كل الجاليريهات والمتاحف وعدم قبوله للعرض مستقبلا لأن الهيئات الثقافية الأمريكية لم تتقبّل فكرة أن يقبل فنان إتلاف أعماله بكل برودة دم.

 

 

إن أسلوب دازافيدو صعب أن يُفهم بلا ربط محكم لحياته ونشأته وتعرّفه على ثقافات العالم من خلال إفريقيا أوروبا وأمريكا وعلى حضارات الانسان من خلال والديه عالما الانتروبولوجيا.

 

 

ولد دازافيدو في كاليفورنيا سنة 1948 سافر مع والديه إلى ليبيريا في سن السادسة، ألّف والده دراسة مرجعية في الفن الإفريقي ووالدته تخصصت في علم نفس الطفل عاش بين التاريخ والجغرافيا بين علم النفس الاجتماعي  والأنتروبولوجيا والاثنوغرافيا التي قدّمها والده كدراسة مقارنة بين شعب أمريكا الهندي قبيلة “واشو” وبين القبائل الافريقية وهي الدوافع التي طوّرت رؤاه للعالم والانسان والآخر، كل تلك التراكمات الإنسانية والعلمية والثقافية كوّنت بل أنضجت دازافيدو وفتحت رؤاه على عوالم الصورة والتخصص الفني الذي كانت فيه إفريقيا روحا جمالية بناها على التنوّع والعمق في التجريد.

 

 

حيث انفصل عن قيمه الغربية بتأسيس تقنيات نظرية وتطبيقية جديدة بناها وأسّسها على ما عرف بالتجريب الفوضوي أو “الفوضى الهادفة” كما صنّفها الناقد الفني “موريس بيكهام” في دراسته التي قدمها سنة 1965 والتي خصصها في “ثورة الفنان على الفوضى” باعتبار أن الغضب من قواعد الفن قد يؤسس للتجديد وقد ينسب الحرية للفعل المتجدد لفكرة الفن المواكب لمراحله التي لا تتسم بالثبات بل بالابتكار كردّة فعل على “صلابة البنية الفنية”، وهنا يفسر دازافيدو أعماله بأنها تخلق استفزازا بصريا يبنيه المتلقي بصريا على اعتقاد الفوضى ويبنيه الفنان على إثبات التنظيم ليكون التناقض بين الرؤيتين مبنيا على جدل التماس بين البناء والهدم وبالتالي نجاح التفسير الذهني حيث الوسائط مختلفة والخامات متجادلة في التجريب أكريليك وزيت قماش وخشب حيث بدا التصور في عملية البناء التي ابتكرها من الفن الافريقي وطقوسه البنوية البدائية.

 

 

فالأسلوب التقليدي الذي عمل به كان بحثا عن المنبت الأول للّون للفكرة للأسلوب للذاكرة وللتجليات التي تتفاعل فيما بينها من خلال كل ذلك، فما كان يقوم به يعتبر أسلوبا متفرّدا في تاريخ الفن.

فهو ينهي العمل ثم يرجعه للصورة الأولى فيشبع الصورة الأولى باللون ثم يطبعها من خلاله على القماش الآخر المقابل للوحة وكأنها صورة عاكسة تتراجع للخلف وتقلب الصورة ذاتها من زوايا أخرى ليمارس الطباعة اليدوية بشكل تجريدي مفاجئ للصورة واللون والحركة والثقل والفراغ.

 

 

يقوم دازافيدو بتشريح أعماله من خلال الأكريليك ثم يتم وضع اللوح المطاطي على أرضيات الأستوديو في أعلى الصور التي تم بناؤها في ثناياه ومن ثمة يتم رفع الصفائح البلاستيكية في بعض الأحيان من أجل الكشف عن الصور الأولى، تعدّل الصور المنجزة بعد كل تلك الفوضى بطريقة عكسية بعد أن يضفي عليها لمساته الأدائية بالالتفاف عليها بالقص والتركيب، حيث يكون قادرا على جمعها وتلك العملية تجعل دازافيدو يتنبّأ بما سيحصل عليه من صور لتكون اللوحة اكتشافه وقراءته وفهمه قبل أي متلق آخر.

 

 

وبالتالي هي من تصنع أفكاره وأحاسيسه فإذا أعجبته وأثارت فضول الاكتشاف عنده أبقاها وإذا كانت باهتة أو سطحية ألغاها أو تماهى معها ليتفاعل بها أبعد في عمقه البحثي عن الجمالي.

وهنا يقوم بتعديلها بالالتفاف عليها بطريقة عكسية ذات تطبيقات تتراكب معا بالقص والمزج والاندماج فيستجمعها وكأنه ينقّب عن الآثار في عمقها المتلاشي وبالتالي لا يمكن التنبؤ بالرؤية التي قد تكون في اللوحة والتي قد تحمّل اللوحات أشياء يرفضها أو تثير لديه الشعور بالخلل أو التوازن وهنا يستثيرها بالبحث عن مركز توازنها واختلالها في الحركة فيها بما يركز داخلها تلك الجاذبية المحورية مع بقية النماذج التي تقع على الأطراف مع الأشكال المتّقدة التي تنتشر في مختلف الاتجاهات.

 

 

ومع هذه التفاعلات الفنية يستقبل الخامة في حضورها المختلف مع قطع الحديد والأشكال الهندسية المصنعة التي تشكل أعماله والتي تميّز منطقته وكذلك شغفه بالتفرّد الأسلوبي.

 

 

لم يكن دازافيدو بالطفل العادي لقد ميّزته الأمكنة واختلف به الانتماء بين تواجد ثلاثي خلق تصوراته الثقافية أوروبيا أمريكيا وافريقيا وبين كل هذا استجمع انتماؤه للأرض والتاريخ من خلال تخصص والديه في التاريخ والأنتروبولوجيا وهنا يقول عن طفولته “يتعامل المعلمون مع الأطفال ذوي القدرات الإبداعية بشكل من الحذر والتوجيه الذي قد يحوّل تلك القدرات والتصورات ويعرّض التعبير من خلالها إلى ضغوط من أجل أن تتوافق الموهبة مع الخصوصيات والامكانيات سواء في المدرسة أو مع العائلة، فقد وجدت عائلتي بين كل تلك الخصوصيات في البرتغال الذاكرة الأولى التي انفتحت على كاليفورنيا ونيفادا بين القبائل الأمريكية وفي ليبيريا مع الطقوس الافريقية، حيث كنت مرغما على فهم أو تقبّل الطقوس والتماهي مع الاختلاف إلى درجة التميّز بالتنوع أو إدراك قيمة العمق في كل تلك التحوّلات التي جعلتي لا أشبه أي طفل آخر، لقد تعلّمت خصوصيات التعامل مع العزلة في مناطق إفريقيا وما فيها من الأنظمة المبنية على سلطة القبيلة وعلى طقوسها التي كنت أسترقها خاصة تلك التي تكون غير مرئية للغرباء كل تلك المشاهدات حفرت التصورات البصرية التي جبلت تجربة البدايات في ذهني وحملتها في ذاكرتي لتكون نبراس التوافق المختلف بيني وبين الآخرين”.

 

 

ولم تكن العودة إلى كاليفورنيا سهلة ولا التأقلم مع الحياة الامريكية وهو ما جعله ينغمس في القراءة والتعلّم والدراسة الأكاديمية والتعرف على سياقات الفن وتجارب الفنانين واعتماد كل ما تعلّمه من حرف يدوية في افريقيا.

وهو ما جعل إفريقيا تكون خصوصيّته الفنية التي أثّرت عليه بشكل لا واع في أعمال وفي مساراته البحثية التي ضاعفها اندماجه مع الثقافة واختلاف الاثنيات التي نوّعت لغته البصرية والسيميائية من حيث التمازج البصري والتحكم في اللون واستغلال المساحة وتوظيف الفراغ مع الكتل والأحجام التي تجرّد فوضاه وترتّب صخبها ليقدّم التجريد مع الانطباعية والتعبيرية بشكل أدائي يحاكي طبيعة المدرسة الأمريكية في التجريد ويستلهم ابتكارات الثقافات الإنسانية في التعبير وهو الأسلوب الذي يتشكّل معه في بناء اللوحة وفي النحت.

 

 

*الأعمال المرفقة:

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى