فن القوارة في الأبنية التاريخية الإيرانية

فن القوارة في الأبنية التاريخية الإيرانية
فن القوارة في الأبنية التاريخية الإيرانية
كتب: آخر تحديث:

 

يترك البحث في الفنون وتاريخها وأساليبها وتطوّرها وأثرها الكثير من الجماليات الفكرية والتعريفية والنقدية من خلال التصفح والتعمق والاكتشاف وهو ما يطرحه هذا المؤلف المرجع “فن القوارة في الأبنية التاريخية الإيرانية” للكاتبة “صديقة ميرصالحيان” والذي صدر مؤخّرا بنسخته العربية عن “المجمع الثقافي المصري” وترجمته الأستاذة “نورة مصطفى إسماعيل”، حيث اجتهدت في محاكاة هذا الفن وتقريب صوره وفي تبليغ جمالياته وتوصيفها من خلال مدى التمكّن من أساسيات وتقنيات التعريف والتعبير عن هذا الفن الذي ميّز الحضارة الايرانية الإسلامية بتفاصيلها الجمالية التقنية الزخرفية والتزيينية المبتكرة لعلاماتها ودلالاتها ورموزها وابتكاراتها.

واحتوى هذا المرجع 206 صفحة توزّعت على ثلاث محاور رئيسية تمثّلت في الدولة القاجارية والفن القاجاري، فن القوارة، قلعة الحكم وقصر كالستان، وبالتالي فمن خلال هذه المحاور حاولت الكاتبة أن تسلط الضوء على تاريخ فن القوارة وتطوّره وتوازنه الجمالي وتفرّده الأسلوبي الذي ميّز فترة اتسّمت بأفول التوهّج الفني فيها على عدّة مستويات ولكنها رغم ذلك سطعت بفن القوارة الذي استطاع أن يستقل بذاته الجمالية كأسلوب فني.

 

يقدّم هذا المرجع تفسيرا جماليا مختلفا من حيث التعريف والموازنة بين التاريخي والنظري والفني مع فتح منافذ متجدّدة لربط الواقع الفني الحديث بتلك الجماليات التي ميّز الفنون الإيرانية في الزخرف والخامات والابتكارات، فهي تعرّف فن القوارة بوصفه فن نحت الخشب وتقويره بما يتوافق مع الزخرفة والتفعيل الهندسي وخلق جماليات أيقونية ركّزت على هوية الانتماء للمنطقة آخذة بعين الاعتبار التناسب مع الفضاء والتمازج مع العمارة والتشكيل والهندسة فكانت النقوش نباتية حيوانية هندسية تنوّعت في تناسقها وألوانها وتفاعلاتها مع الضوء والفضاء من خلال تنسيق عمق الحضور عند الامتلاء والفراغ.

فالقوارة هي تنفيذ اكتمالي وتكاملي لعملية التشكيل في العمارة وفي البناء وفي مدى خلق الصلة بين كليهما، لأن التقوير لا يكون عشوائيا بقدر ما يفتح منافذ على طبيعة الانسان وانجذابه للجمال في فضاءاته وللموروث في انتماءاته الخاصة بالمنطقة من الناحية الشكلية أما من الناحية التنفيذية فهو يخضع لتوازنات البناء والعمارة والتشكيل والهندسة.

وهو ما حاولت الكاتبة لفت النظر له وهي تستدرج القارئ نحو التاريخ بتوغّل جمالي وتعريف مُبسّط ولغة متوافقة في مصطلحاتها ومُرتكزة على أساسيات التعريف الثلاثي المتكامل الجمالي الفني والتاريخي دون أن تُشعر القارئ بأنه دخيل على عالم مبهم مبالغ في التخصيص.

وتقول الكاتبة “أما تلك الفنون الخشبية المتعلقة بالعمارة الإيرانية تحوّلت إلى مكانة عالية وموضع اهتمام كانت بداية صناعة أنواع النوافذ خاصة المعشّقة منذ العصر الصفوي بتقنيات الأرابيسك الهندسي الخشبي الزخارف المتشابكة المخرّمة وأخيرا القوارة كان قد حظي في جميع هذه التقنيات مقدار النور العابر جمال المساحة الداخلية بمساعدة النور والظل.”

حاولت الكاتبة في هذا المرجع أن تنطلق من النظري إلى الوصفي فالتجريبي التطبيقي ومنه إلى التقني والتنفيذي الفني الخاص بالخامات والزخرف والنقوش بين الخشب والزجاج دون أن تُشعر القارئ أنها تتحوّل به من تفسير إلى تفسير فكأنها تجيب استفسارات تدور في ذهنه قبل أن ينطق بها وبالتالي كان البحث طريف الطرح على المستوى التقاربي بين العوالم الفنية والتاريخ ومدى استمرارية هذا الفن الذي نجح في تخليد الأثر الجمالي وترك بصمات روحانية مُميّزة.

إن هذا المرجع الفني يعتبر سفرا جماليا عبر مراحل فن استطاع أن يتأقلم مع بيئته ويتفاعل مع التطوّر التكاملي للفنون في أشكالها وخاماتها ليصبح حضوره في العمارة ميزة طبعها التاريخ لتكون خالدة.

 

التعليقات

اترك تعليقاً