فراج فتح الله يكتب عن: صنع الله إبراهيم “أسطورة الإنسان التي يصنعها الإبداع”

فراج فتح الله يكتب عن: صنع الله إبراهيم “أسطورة الإنسان التي يصنعها الإبداع”
1
كتب: آخر تحديث:

   كتب.. فراج فتح الله

زار الكاتب صنع الله إبراهيم مدينة أسيوط كضيف شرف للمؤتمر السابع لنادي القصة بأسيوط، والذي جاء تحت عنوان “القهر والاستبداد لدي كتاب الصعيد” دورة الأديب محمود البدوي ابن أسيوط.

من الطبيعي أن يحضر أديب ما مؤتمرا ما يتم عقده في أي مكان، لكن لأن ذلك لم يعد يحدث إلا تحت أغراض خاصة، أو مصالح شخصية، أتت أهمية زيارة أديب بحجم صنع الله إبراهيم لمؤتمر أدبي فرعي، في مدينة بعيدة، وتقيمه جماعة أدبية لا تنتمي للمؤسسة الثقافية، لذلك فالحديث هنا ليس عن كتابات صنع الله إبراهيم المغايرة، ولا رؤاها المتفردة والبعيدة عن المألوف والمعتاد، بل عن شخصيته الإنسانية التي لا تقل صفاتها عن صفات كتاباته في شيء، والتي أثبتتها تلك الزيارة عبر ثلاثة مشاهد حدثت أثناء ملاصقتي له خلالها، وشكلتْ من صنع الله إبراهيم أسطورة إنسانية، سأسردها بصدق كما حدثت.

مشهد أول.. “ست من أسيوط”

عند المغادرة وقفنا ننتظر قطار الساعة السابعة صباحا في محطة أسيوط؛ علي الرصيف الثاني، صباح أيام ديسمبر الأولي، لم يكن البرد قد حل بعد، وإن بدا الصقيع حاضرا، أتت ست أسيوطية ترتدي جلبابا بلديا أزرق، وتغطي رأسها بشال فاتح بلون السماء، أسفله ايشارب مزركش بالورد الأحمر، في مقابلتنا علي الرصيف الأول، كنا نراقبها من مكاننا، تحمل عددا من الحقائب القديمة وكراتين وأجوله وبطانية مربوطة بالحبال، وتصحب معها صبيا صغيرا، لا يتعدى عمره العشرة أعوام، كانا يريدان الانتقال للرصيف بكل ما معهما، وبدون تفكير، وكأنهما في رحلة اعتيادية يومية مألوفة ليس فيها أي تعب، أو كأنهما تآلفا مع أعبائهما بشكل حميمي بدا واضحا في نقل أحمالهما.

لفتا ـ الست والطفل ـ نظر صنع الله فوقف والتفت نحوهما، بدأ يراقب عن كثب، يدخن سيجارته ويرفع كتفيه ليلتصقا برقبته؛ خاصة كلما كان يأخذ نفسا عميقا، فيخرج الدخان في الهواء ليختلط مع دخان الصبح، الصبي الصغير قفز لما بين الرصيفين، في المساحة المنخفضة علي القضبان فتساوي رأسه بالرصيف، وكانت الست تحمل جوالا بعد الآخر، وتضعه علي رأس الصبي فينقله من الرصيف الأول للثاني، والحقيبة بعد الأخرى، وفي الأخير البطانية المربوطة، كان يتابع بشغف، ووقفت أنا صامتا، كأن متابعة ردود فعله ومتابعتهم عقدت لساني، ومنعتني عن الحركة.

ولما فرغا من عملية النقل تماما؛ من مكانه علي الرصيف الثاني؛ رفع صنع الله يده محييا الست مرات عديدة؛ وأشار لها عده اشارات تأييد وتحفيز؛ وأشاد بمجهودها وبمجهود الصبي؛ بصمت؛ وكأني أتفرج علي فيلم سينما الواقع بدون صوت؛ أو لكأني أقرأ فصلا من رواية ممتعة لكاتب كبير؛ قال لها بعد فترة: أنتِ بطلة.. بطلة.

وكان أجمل رد من الست عندما ابتسمت؛ ابتسامة كلها رضا وفخر؛ سأتذكرها فترة طويلة وأعتقد أنها لن تنسي هذا الموقف، سارت خطواتها جهة السلم بكل زهو؛ وبقيت أنا أتابع؛ والصبي ينظر لكلينا باندهاش.

المشهد الثاني.. “مقهي بلدي”    

 وصلنا أسيوط ليلا، بعد رحلة استمرت لأكثر من خمس ساعات؛ تحدثنا في العديد من الموضوعات والقضايا الأدبية والسياسية؛ ورأيه الشخصي في الثقافة المصرية الآنية؛ واستمر الحديث ولم يتوقف..

كان يعتني خلال تنقلاته بكل مَنْ يوقفه للحديث معه، والتقاط الصور التذكارية، يُبدي اهتماما كبيرا بكل فرد يكتب، ويزيد ويكثر عندما يوقفه شخص لا يكتب ليلتقط معه صورة، وتجلي ذلك عندما أهدي رواية (بيروت بيروت) لموظف الريشبسن “أندرو” في الفندق، بعد أن أبلغه أنه قرأ معظم أعماله وناقشه في بعضها، وكان لدي صنع الله إبراهيم أسئلة متكررة؛ تقريبا لكل شخص؛ مؤهله وطبيعة عمله ويربطهما معا، ويبتسم عندما يكون الفرق بينهما شاسعا؛ كأن يكون أديبا متخرجا من كلية العلوم مثلا، ويسأل عن الأولاد وعددهم؛ ويشد من أزره إذا كان العدد زائدا. يحاول أن يرصد التغيرات المجتمعية، وفي نفس الوقت، يبعد وبشدة عن اللقاءات الرسمية، حتى لو كان بها الوزير أو كل رجالات وزارة الثقافة.

كان يتحرك داخل أسيوط إما بتاكسي، أو مشيا بناء علي طلبه، مشينا مرة من قصر الثقافة، وممرننا أسفل عمارات الأوقاف، ومشينا في شارع 26 يوليو، أشتري سجاير من ناصية شارع يسري راغب، ومشينا في شارع النميس وتقسيم البترول وشارع البحر، بكل حيوية وهمه، ولفت نظره كثرة الأسماء الأجنبية للمحلات، وفي مرة ثانية في أحد الشوارع مررنا علي مجموعة من الشباب وسمعناهم يرددون بعد أن تخطيناهم: “أينشتاين ده”.

حتى طلب منى الجلوس علي قهوة بلدي.

مشهد ثالث.. “كلمة صنع الله”

  انقسمت كلمته علي مرحلتين، كلمة علي المسرح، بحضور جماهيري كبير؛ وأمام وزير الثقافة ورئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة ورئيس الهيئة العامة للكتاب، ورئيس إقليم وسط الصعيد الثقافي ومدير فرع ثقافة أسيوط، والكلمة الثانية الأكثر خصوصية كانت في قاعة الاستماع، في لقاء مفتوح مع أدباء أسيوط وسوهاج والمنيا والوادي الجديد.

الكلمة الأولي:

فاجأ الحضور بانتمائه لقرية بنى زيد الأكراد مركز الفتح محافظة أسيوط من جهة الأم، وأن هذه الزيارة هي الثانية له، الأولي كانت عائلية، وأنه أتي لمقابلة أدباء أسيوط، والتعرف علي الإبداع لديهم، وكان عنوان المؤتمر “القهر والاستبداد” من أهم الأسباب التي دفعته للمجيء إلي أسيوط.

الكلمة الثانية:

كانت أكثر حميمية، فقد كانت مع الأدباء، طلب أن يكون حوارا مفتوحا بينه وبينهم، وليس كلمة يلقيها ويغادر، وكان يسترسل عند كل سؤال ويفيض في الإجابة، تحدث عن نقل أعماله الروائية للسينما والتليفزيون، وتحدث عن مسلسل “ذات”، فقال إن “ذات” الرواية ملك له، أما “ذات” المسلسل فهي ملك لصناع العمل معه، وأن هناك مشروعا لإنتاج فيلم عن رواية “اللجنة” كتب له السيناريو بنفسه لكنه لم يتم، وقد ينفذ في وقت لاحق، وتحدث عن الجائزة التي رفضها وأن الجميع اهتم بحالة الرفض، فقط لا غير، ولم يهتم أحد بالبيان الذي أصدره يومها، والذي وضح فيه أسباب الرفض، وأقلها اتساقه مع نفسه وذاته وما يكتب، ومع مجمل أفعاله المعارضة للنظام الأسبق، أما عن رفضه داخل الحفل في حضور كل وسائل الاعلام فكان خشيته أن ينكروا موقفه الرافض لهم ولأعمالهم.

وأنه لا يفكر في عمل جزء آخر لرواية “بيروت بيروت”، وأن جيل الستينات تواصل مع الأجيال التالية له، وأن اسمه “صنع الله” كان أبوه قد اختاره له بعد أن وضع إصبعه علي أول كلمة عند فتح المصحف، وكان ينال من السخرية الكثير بسبب الاسم، وأن مدرس الابتدائي كان يقول له مازحا: إنت من صنع ربنا آمال إحنا من صنع مين؟. وتمني للحركة الثقافية في مصر التحسن والبعد عن التردي..

وطلبت منه إحدى الكاتبات أن تسلم عليه فقط لا غير، بعد أن ظلت طوال عمرها تقرأ أعماله وأخيرا رأته.

واستمر الحوار… وكان يجيب بكل ود واهتمام… وبالتفاصيل.

 كنت أعتقد قبل الزيارة أني واحد ضمن قله يمكن أن يطلق عليهم مجانين صنع الله، لكني اكتشفت  أن عددنا لا بأس به.

 

فراج فتح الله

 

التعليقات

اترك تعليقاً