بعد أسابيع من الاحتجاجات الدموية.. الغزِّيون يتساءلون: ما الذي تحقق؟

بعد أسابيع من الاحتجاجات الدموية.. الغزِّيون يتساءلون: ما الذي تحقق؟
غزة
كتب: آخر تحديث:

عقب أسابيع من الاحتجاج على السياج الحدودي مع إسرائيل، والتي وصلت ذروتها هذا الأسبوع، عاد أهل غزة إلى حياتهم اليومية من المعاناة، وكثير منهم يتساءل إذا ما كانوا حققوا أي شيء على الإطلاق.

كانت التكلفة التي دفعوها واضحة: أفاد مسؤولون طبيون في غزة بأنَّ ما يزيد على 100 فلسطيني قُتِلوا برصاص القناصة الإسرائيلية، 60 منهم سقطوا في يوم الإثنين 14 مايو وحده، إلى جانب إصابة أكثر من 3500 آخرين منذ بدء المسيرات في 30 مارس/ آذار، وفقاً لصحيفة The New York Times الأميركية.

صحيح أن حماس حققت انتصاراً بتوصيل رسالتها دولياً

ومع ذلك، حقَّقت حركة حماس التي نظمت الاحتجاجات، بالفعل انتصاراً في ما يتعلق بتوصيل رسالتها دولياً، في ظل توجيه انتقاداتٍ واسعة ضد إسرائيل لما اعتبره المنتقدون استخداماً غير متكافئ للقوة ضد محتجين أغلبهم غير مسلحين.

صوت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جلسةٍ عُقِدَت بجنيف أمس الجمعة 18 مايو/أيار بأغلبية ساحقة على إدانة إسرائيل، ودعا أيضاً إلى فتح تحقيقٍ في أحداث غزة.

لكن الشعور بهذا الانتصار غير ملموس

فبالنسبة لكثير من الغزِّيين، هناك صعوبة في الشعور بالنتائج الملموسة مقابل الدماء الكثيرة التي أُسيلت، ويُوجَّه اللوم للعديدين، ومنهم حماس.

في سوقٍ قرب المخيم الرئيسي للاحتجاجات، وصف عبد الرحمن، وهو بائع خضراوات يبلغ من العمر 59 عاماً، الجهود التي بُذِلَت في الاحتجاجات بأنَّها من دون جدوى. وقال “صفر، بل في الواقع أقل من صفر”.

وأدان عبد الرحمن الإسرائيليين، والحلفاء العرب الذين وصفهم بأنَّهم خانوا الفلسطينيين، وقيادة غزة، مُضيفاً: “لم نخترق السياج، ولم يُرفَع الحصار. لم يكن هناك سوى القتل”.

وفي خطبة الجمعة أمس، التف إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، بطريقة إيجابية على الأحداث التي شهدتها غزة، والتي سُميت بـ”مسيرة العودة الكبرى”، في إشارةٍ إلى هدف اللاجئين الفلسطينيين المتمثل في العودة إلى أراضيهم التي خسروها لصالح إسرائيل عام 1948.

فهل هي انتصار، إم إرهاصات انتصار؟

وأعلن هنية “نحن نعيش إرهاصات النصر وبداية إنهاء المأساة الإنسانية (في قطاع غزة)”.

وأشاد ببادرة حسن النية النادرة من مصر تجاه غزة بفتح معبر رفح على الأطراف الجنوبية للقطاع على مدار شهر رمضان الكريم الذي بدأ يوم الخميس 17 مايو/أيار، مشيراً إلى أنَّ فتح المعبر سيخفف من الحصار المستمر منذ 11 عاماً على قطاع غزة، مضيفاً أنَّ الاحتجاجات على الحدود مع إسرائيل ستستمر حتى رفع الحصار كلياً.

أم ربما خديعة طالما لم يجتازوا السياج؟

لكن الكثير من الغزِّيين بعد خسارة أصدقاء لهم أو تعرُّضهم لإصاباتٍ بالغة في الاحتجاجات يشعرون أنَّهم خُدِعوا.

جرَّ ثمانية شبان نحاف، بعضهم لا تزال ثيابه ملطخة بالدماء، يوم الخميس، كتلة من الأسلاك الشائكة التي انتزعها المحتجون من السياج الفاصل بين غزة وإسرائيل. وقاموا ببيعها كخردة مقابل 70 سنتاً للكيلو، يمكنهم على الأقل الاستفادة بشيءٍ من الاحتجاجات.

وقال محمد حيدر(23 عاماً) “لم يتحقق شيء. الناس ماتوا. قالوا بأنَّنا سنتمكن من اجتياز السياج. لكن لم يحدث هذا”.

لعل ذلك كان سبب الجدل داخل حماس بهدف استخدام القوة للرد

وداخل حماس، قال باسم نعيم، وزير الصحة الأسبق في غزة، إنَّ جدالاً من نوعٍ آخر اشتعل بعد أن خلق الرد العنيف للجنود الإسرائيليين على الاحتجاجات يوم الإثنين “ضغطاً قوياً” داخل الحركة للاستجابة بردٍ عسكري. وأضاف نعيم، الذي يعمل الآن بمجلس العلاقات الدولية لحماس: “يقول الناس: ‘إذا كانت لدينا القدرة على اللجوء للمقاومة المسلحة، فلمَّ لا نفعل ذلك؟'”.

لكن حماس ضبطت نفسها.. وتأمل بتنازلات من إسرائيل

وتابع نعيم أنَّ قيادة حماس كانت تقاوم مثل هذه الدعوات “العاطفية”، في إقرارٍ للانقلاب النادر في العلاقات العامة الذي حقَّقته الحركة هذا الأسبوع، والتي كانت فيما مضى معروفة بهجماتها الانتحارية وضرباتها الصاروخية.

وخلال السنوات الأخيرة، طغت أزمات أخرى في الشرق الأوسط على الأعباء التي تسبب بها الحصار الذي فرضته إسرائيل ومصر على قطاع غزة لأسباب أمنية. والآن، تأمل حماس في توظيف الغضب المنتشر جراء صور إطلاق الجنود الإسرائيليين النار على الغزِّيين في الضغط على إسرائيل لتقديم بعض التنازلات.

وبدا أنَّ هذا الجهد بدأ يُحقِّق تقدماً أمس الجمعة بعد تصويت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

وقال المفوض السامي لحقوق الإنسان زيد بن رعد الحسين في بيان يوم الجمعة: “تجب مساءلة أولئك المسؤولين عن الانتهاكات في نهاية المطاف. ماذا تصبح حين تطلق النار لقتل شخص لا يحمل سلاح، ولا يُشكِّل تهديداً مباشراً بالنسبة لك؟ لا تصبح شجاعاً ولا بطلاً”.

وقالت إسرائيل، التي تعتبر المجلس منحازاً، في بيانٍ صادر عن وزارة الخارجية، إنَّ المجلس “أثبت مرةً أخرى أنَّه هيئة مُكونة من أغلبية معادية لإسرائيل، تسترشد بالنفاق والسخف”.

ومع تطور الاحتجاجات في غزة، كان لديهم سلسلة من الأهداف المُتغيرة إلى جانب إظهار إسرائيل في صورة سلبية، وهذه الأهداف هي: اختراق السياج كرمزٍ للعودة إلى الأراضي المفقودة، وتحدي الحصار لتخفيف الضيق الاقتصادي، وأخيراً التعبير عن الرفض الفلسطيني لنقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس بدل تل أبيب.

وقالت إسرائيل إنَّ المتظاهرين كانوا يُستخدمون كغطاءٍ من قِبل المسلحين الذين كانوا يعتزمون مهاجمة جنودها والمناطق المجاورة.

ولإثبات هذه النقطة، أشار المسؤولون الإسرائيليون إلى تصريح لأحد قيادات حماس هذا الأسبوع قال فيه إنَّ 50 شخصاً من بين المتظاهرين الستين الذين قُتِلوا يوم الإثنين كانوا أعضاء في الحركة.

وقال نعيم، المسؤول في حماس، إنَّ 50 شخصاً المعنيين كانوا أنصاراً لحماس إلى جانب مُسلحين تابعين لها، وأنَّهم جميعاً لم يكونوا مُسلحين عندما قتلوا.

وقال الجيش الإسرائيلي إنَّ ثمانية مُسلحين قُتِلوا في تبادلٍ لإطلاق النار مع قواتها عند السياج أثناء احتجاج يوم الإثنين.

وعلى أي حال، فإنَّ “العودة الكبيرة” لم تحدث، بالنظر إلى عزم إسرائيل منع أي اختراقٍ للحاجز. وبحلول نهاية الأسبوع، انتقل انتباه العالم إلى كوريا الشمالية، وأحدث فضائح إدارة ترمب، والعرس الملكي البريطاني.

بينما الحياة لا تزال كما هي في غزة

ولم تصبح حماس بعد الاحتجاجات أقرب إلى تحسين حياة سكان غزة الذين يزداد ضيقهم. وتفتقر الحركة إلى المال اللازم حتى لدفع رواتب الموظفين الحكوميين أو نفقات الحكم الأخرى.

وقد تفاقمت محنة الحركة بسبب جهود المصالحة المتعثرة مع منافستها، السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حركة فتح ويُديرها الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الضفة الغربية.

وليس لديها إجابة شافية بشأن هذا المأزق

وقال ناثان ثرال، مدير المشروع الإسرائيلي الفلسطيني بمجموعة الأزمات الدولية: “إنَّ حماس بشكلٍ عام واقعة في نفس الركن التي كانت فيه قبل شهر أو شهرين. ببساطة، ليس لديها إجابة بشأن كيفية الخروج من هذا المأزق أو حتى كيفية الاستفادة من هذه الاحتجاجات”.

ويوم الجمعة، دعا المُنظِّمون الناس إلى التجمع في مواقع الاحتجاج في وقتٍ متأخر بعد الظهر. وكان إسماعيل هنية وقادة آخرون من حماس هناك. لكن الآخرين جاؤوا بأعدادٍ صغيرة نسبياً، ويبدو أنَّه مقياس آخر على تراجع الشهية الشعبية للاحتجاجات، التي من المُقرر أن تستمر حتى نهاية شهر رمضان في أوائل يونيو/حزيران.

ومع وصول نسبة البطالة في قطاع غزة إلى 43٪ وتخفيض رواتب عشرات الآلاف من الموظفين نتيجة العقوبات التي فرضتها السلطة الفلسطينية، تُشجِّع مصر على اتباع نهجٍ تدريجي للمصالحة، والذي من شأنه أن يجعل السلطة المدعومة من الغرب تتولى تدريجياً إدارة القطاع المطل على البحر.

وقال مُنسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، إنَّ الحاجة الأكثر إلحاحاً بالنسبة لغزة هي البدء في المشاريع الإنمائية التي تمت الموافقة عليها بالفعل. وهذا من شأنه أن يخلق فرص عمل، ويزيد من إمكانية الحصول على مياه الشرب والكهرباء، ويخلق جواً أكثر مواتاة للمصالحة.

قال ملادينوف: “لقد اختفى الاقتصاد. نحن بحاجة عملياً إلى إعادة بعث الحياة في غزة”.

لكن بعد ثلاثة اجتماعات للمانحين الدوليين في الأشهر الثلاثة الماضية، وسنوات من المشروعات المتعثرة، قال ملادينوف إنَّ من حق الناس أن يكونوا متشككين.

وفي مستشفى الشفاء، وهو المستشفى الرئيس بغزة، حيث كانت طوابق كاملة مُكتظة بالشبان الذين يتعافون من إصابات ناجمة عن طلقات نارية، أصرَّ كثيرون على أنَّهم كانوا سعداء بدفع هذا الثمن الباهظ. لكنَّ متظاهرين آخرين سابقين عبَّروا عن اتهاماتٍ مريرة، وألقوا باللوم على زعمائهم بقدر لومهم إسرائيل.

فقال محمود أبو عمر (26 عاماً) لصحيفة New York Times، والذي كانت إحدى ذراعيه ملفوفة في ضمادات: “ضاع مُستقبلنا بسبب اليهود وبسبب حماس”.

وقال إنَّه أصِيب بالرصاص بينما كان يصوب مقلاعه إلى الجهة الأخرى من السياج. وكان يأمل أن تُخفف الاحتجاجات إحباطات حياته بطريقةٍ ما، والمتمثلة في نفاد صبره للزواج، وكسب بعض المال، والسفر خارج غزة. لكنَّها لم تفعل.

المصدر: وكالات

التعليقات

اترك تعليقاً