لماذا تحتاج أوروبا وأمريكا إلى تركيا ويخشون أردوغان؟

لماذا تحتاج أوروبا وأمريكا إلى تركيا ويخشون أردوغان؟
أردوغان
كتب: آخر تحديث:

كان هذا الأسبوع حافلاً في تركيا، لكن لأسباب لا تمتُّ بِصلة مباشرة بالانتخابات الوطنية التي جرت الأحد 24 يونيو 2018؛ ففي حفل على بُعد آلاف الأميال في فورث وورث بتكساس، تسلَّمت القوات الجوية التركية أولى مقاتلاتها من طراز الـ »جوينت سترايك فايتر » Lockheed Martin F-35A، المعروفة أيضاً باسم Lightning II، والتي قد تكون أفضل طائرة مقاتلة في العالم.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أمرت حكومته بشراء 100 مقاتلة من طائرة الـF-35 ، يبدو راضياً جداً عن هذه الصفقة التي كلفت مليارات من الدولارات؛ فبضم هذه الطائرات إلى جعبة أسلحتها ستتمكن أنقرة من بسط مدى صواريخها الحربية على طول الشرق الأوسط وإلى ما أبعد منه، ما سيعزز شعور العزة الوطنية التركية، وهو ما يعشقه أردوغان.

وبحسب تقرير لصحيفة “الجارديان” البريطانية، فإن واشنطن لا تشارك تركيا حماستها هذه، فالكونغرس يحاول منع إتمام صفقة البيع هذه؛ بسبب أفعال تركيا الأخيرة في سوريا وتعاونها مع إيران وبزعم خروقاتها لحقوق الإنسان.

إلا أن الصحيفة عادت لتشير إلى أن الذي أثار غضب الأميركيين حقاً هو قيام أردوغان بصفقة شراء موازية لمضادات صواريخ جوية روسية الصنع من طراز S-400، مصممة لإسقاط طائرات الـF-35 الأميركية.

لكن يبقى التحدي الأكبر أمام أوروبا وأميركا، كيف ستتعامل مع أردوغان الذي خرج للتو قوياً بعد تحقيقه انتصاراً مريحاً في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وحقق أردوغان نصراً كبيراً الإثنين  بعد فوزه من الدورة الأولى من الانتخابات بولاية جديدة بسلطات معززة، في وجه معارضة نشطة أقرت بهزيمتها منددة بحملة غير عادلة.

ونجح أردوغان الذي يحكم تركيا منذ 2003 كرئيس للوزراء أولا ثم اعتباراً من 2014 كرئيس، في فرض نفسه كالزعيم التركي الأكثر شعبية.

وسيتسلم إردوغان الذي يتهمه معارضوه بالتسلط، ولاية رئاسية جديدة من 5 سنوات يتمتع فيها بسلطات واسعة بموجب تعديل دستوري أقر العام الماضي في استفتاء.

لماذا يحتاج الغرب إلى أردوغان؟

وتقول الصحيفة البريطانية إن أردوغان يبدو أنه يريد أن يأكل الطبق من كلتا الجهتين، وهذه مشكلة مألوفة، فهي تعكس بدقةٍ الازدواجية التي تستشعرها ديمقراطيات الغرب في القيادة التركية.

تحتاج كل من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا إلى تركيا لأسباب كثيرة؛ استراتيجية وسياسية وعملية وجغرافية، لكن يبدو أن تركيا أردوغان ليست ذاك الصديق الحميم الذي تريدان، فهي ليست حليفاً بقدر ما باتت تُرى كخطر أكثر فأكثر يوماً بعد يوم.

ففي رسالة علنية غير عادية نُشرت الأسبوع الماضي، انهال أعضاء الكونغرس على أردوغان بالانتقادات، فجاء في رسالتهم: « بما يخالف التزاماتها تجاه الناتو، تعمل تركيا بشكل فاعل على تقويض المصالح الأميركية حول العالم، فعمليات تركيا العسكرية المتكررة ضد المصالح الأميركية وتراجعها في مجالي حقوق الإنسان والديمقراطية تحت رئاسة أردوغان ونواياها الواضحة الرامية إلى بناء شراكة استراتيجية مع روسيا، جميعها قد أفسدت تماماً العلاقة الأميركية-التركية ».

وتقول الصحيفة إن تصرفات أردوغان في شمال سوريا تنطوي على كثير من التحدي والتهديد للجنود الأميركيين الذين يتعاونون مع القوات الكردية لهزيمة داعش، ما أوقع البنتاغون في حيرة من أمر أردوغان وفي صف من يقف.

كذلك، فإن الغارات العسكرية التركية في شمال العراق والتي تستهدف مسلحي حزب العمال الكردستاني «  »PKK تزعزع استقرار المنطقة، وثمة أمر آخر مقلق؛ وهو التحالف الفعلي بين أردوغان وإيران حسب وصف الصحيفة

أمريكا بحاجة إلى تركيا

وتؤكد « الغارديان » أن الولايات المتحدة الأميركية تريد تركيا وتحتاج لمساعدتها لأسباب كثيرة، فهي بحاجة للقاعدة العسكرية المهمة في إنجرليك جنوب غربي تركيا؛ لكي تبسط نفوذها على المنطقة، كما تعرف أميركا أنه لن يكون هناك استقرار طويل الأمد في سوريا من دون مباركة أنقرة، ثم إن تركيا كانت وربما ما زالت عازلاً مهماً أمام أطماع التوسع الروسي في البحر الأسود والقوقاز والبلقان.

الحكومات الأوروبية هي الأخرى في حيرة من أمرها؛ فهي تثمن كون تركيا نقطة أمامية ديمقراطية وعلمانية موالية للغرب في منطقة تندر فيها هذه الصفات، وهي ما زالت -وإن نظرياً- ترى في تركيا عضواً مستقبلياً بالاتحاد الأوروبي، ولكنها جميعها مضطرة إلى كبت استيائها العميق مما يرتكبه أردوغان -من خروقات في بلاده ومن تصريحاته الدائمة ضد أوروبا- بغية ضمان تعاونه لمنع تدفق اللاجئين السوريين إليها ولتعقُّب أثر إرهابيي داعش.

ماذا قدَّم لتركيا؟

وتقترب الصحيفة البريطانية أكثر من شخصية أردوغان وكيفية إدارته لتركيا، وتقول إنه منذ أن أحرز عمدة إسطنبول السابق المكانة الوطنية البارزة، بدأ يوماً بعد يوم بالتحول إلى شخصٍ يثير الانقسامات، فأنصار أردوغان الذين يغلب عليهم الطابع الريفي المحافظ هم مسلمون سُنة متدينون ووطنيون، يرون في هذا الرجل الذي هيمن على الساحة السياسية منذ عام 2003 منقذ تركيا ومُخلِّصها، حتى إن معجبيه يساوون بينه وبين كمال أتاتورك، الأب الروحي لتركيا ومؤسس دولتها الحديثة.. لا؛ بل إنه في نظرهم قد فاق إرث أتاتورك العلماني بأسلوبه الإسلامي الجديد المتدين وعداوته الشديدة لطبقة النخبة الحاكمة القديمة المتمتعة بالأفضلية.

 

أردوغان وزوجته

 

وقد شهد الأسبوع الماضي خطوة أخرى غنية بالدلائل والإشارات، عززت من افتخار الأتراك بوطنهم؛ ألا وهي افتتاح أول مدرج طيران بمطار إسطنبول الجديد اللامع، وبالطبع كان أول هبوط في هذا المدرج لأردوغان نفسه، الذي هبط على متن طائرته الشخصية. بيد أن هذه لم تكن مجرد حركة دعائية لكسب أصوات الناخبين، فهذا المطار عندما سيُفتتح في أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام (2018)، سيكون أحد أكبر 3 مطارات في العالم باستيعابه قرابة 250 مليون مسافر سنوياً، كما سيضم هذا المطار أكبر مجمع سوق حرة في العالم.ولأردوغان يُنسب الفضل في تحويل تركيا إلى دولة ذات اقتصاد حديث متمدن وصناعي أعادها إلى مكانها الذي تستحقه في مصاف الدول التي تقود العالم، وهذا هو، بشكل جزئي، موضوع صفقة الـF-35.

وترى الصحيفة انه رغم هذا، فثمة جانب آخر تراه مظلماً لتركيا أردوغان، بسجنه وتسريح الآلاف من وظائفهم بموجب حالة الطوارئ المستمرة في البلاد عقب انقلاب فاشل في 15 يوليو 2016.

وتقول الصحيفة إن الصراع بين الرأيين المتنافرين حول أردوغان –أصديقٌ هو أم عدو؟ أبطلٌ هو أم شرير؟ لن يهدأ بانتخابات اليوم.

التعليقات

اترك تعليقاً