استمرارية الفن فكرة تهزم الرحيل.. تجربة أرملة النحات الراحل عزت مزهر ابتكار حاور الغياب باستمرارية أثبتت انتصار الحضور في الفن

استمرارية الفن فكرة تهزم الرحيل.. تجربة أرملة النحات الراحل عزت مزهر  ابتكار حاور الغياب باستمرارية أثبتت انتصار الحضور في الفن
23
كتب: آخر تحديث:

كتبت.. بشرى بن فاطمة

قد يزرع رحيل فنان عن الوجود فراغا قاسيا، باعتبار أن الرحيل قدر يصل النسيان بالتجاوز ويحوّله إلى مرجع يحتاج أن يصل مراتب البحث والحث والابتكار الدائم لحضور يكسر الغياب، لتكون في الذاكرة استمرارية تضمن البقاء والاعتراف.

وتلك الاستمرارية هي التي توقظ الفكرة الخالدة للفن، بهذه الإرادة والعزيمة حملت أرملة النحات اللبناني الراحل عزت مزهر، السيدة سمر عزت مزهر فكرة البقاء والاستبقاء على الذاكرة التي لا تخص عائلة الراحل بل تاريخ الفن التشكيلي اللبناني والعربي والعالمي ولبنان ككل باعتبار أن مزهر قدّم فنيا لبنان بكل مراحله.

الفنان الراحل.. عزت مزهر

إذ يعتبرالنقاد والباحثون في الفنون العربية الحديثة الفنان والنحات اللبناني الراحل عزت مزهر من أهم مؤسسي مدرسة النحت في لبنان والعالم العربي، بفكره وتجربته التي عبّرت واخترقت حواجز الجغرافيا في المنطقة حوّلته إلى أيقونة حملت فلسفة العمق الفني التشكيلي والنحتي والقيم التي اتفقت على التجريب المفاهيمي الذي روّض العناصر الجمالية لتحمل رمزية الوطن الواحد.

*الطاووس

وهي القيم التي توارثتها الأجيال كما حملتها أرملته ورفيقة دربه السيدة سمر مزهر حين آمنت بابتكاراته الفنية وبحضوره الذي هزم الغياب بالفعل والخلود في المنجز الفني المحفوظ حيث استطاعت أن تحوّل قسوة غيابه إلى حلم بمتحف خاص به وبأعماله في منزله ومحترفه الخاص ليحمل ذاكرة كاملة ومراحل اختصرت ما عايشه الوطن لبنان وما مرّ به الفنان من أحداث بين الأحاسيس المتناقضة والنضج الفاعل.

*السيدة سمر مزهر

يحمل المشروع الذي أسسته السيدة سمر مزهر فكرة إنسانية في حد ذاتها هي أن الفنان يترك تأثيره على الذائقة والوعي والمعارف كما يترك أحاسيسه لتستنطق الزوايا في مرحلة عمر ورفقة وصبر وفراق حاضر وحنين استمر بفكرة الفن والانتماء.

فالفن كما تقول سمر مزهر “لا يموت ولا تنتهي الفكرة طالما هناك من يكمل المشوار ويكمل مسيرة العرض والبحث ويطلع المتلقي على كل الأعمال لان الفن للإنسانية”.

*منحوتة معتقل الخيام

حملت سمر مزهر مع رفيق عمرها فكرة البناء والصقل والنضج الواعي، اكتمل في مراحل تكونه الفني التي بدورها عرفت عواصف ومواسم ربيعية بين الفرح والخوف بين الانتظار بأمان والترقب برهبة، مزجت عمقه وفلسفة تبنيه لأحاسيسه بألوان متنوعة الحضور معتمة داكنة وفاتحة منيرة بإشعاعها على طموحه واحترافه وانفعالاته التي تداخلت مع الحجر والبرونز والحديد والخشب وكل الخامات والمواد التي أجاد بث الحياة فيها وأنطق فيها أحاسيسه بتفاعلات حرّكت الجمود الذي لبس عواطفه في تراكم المرئي ليعبر نحو اللامرئي البصري، رتب صفف أفكاره وخلق من صراعها تناغما انعكس على الحالة التي شكلت المنحوتة وخلقت تفاصيلها وفق فلسفته وشعوره ليوغل في الأسطورة فنا وعبرة صادقة الحضور برمزياتها.

*حروفيات

وكما لم تنضب الأفكار عند مزهر لآخر لحظة من حياته لم تنته الفكرة عند سمر لتحملها بثقة تحدّثت عنه عن عطاءه الفني عن أفكاره لا ككلمات ولكن كفعل أسّس جمعية ومتحفا وتنقل بين جغرافيا العالم تعريفا ونشرا بمطبوعات ومؤلفات تروي حكاية عاشق للوطن بفنه.

*العقدة اللبنانية

فكل ما عايشه كان منفذ فكرة بتراكم أحاسيس عفوية تداخلت لتمزج المجتمع واقعا ووجودا وملامح وحضورا وحضارة وأسطورة وكيانا وترابا.

برمزيات شكّلت علاماته البصرية من خلالها كصورة متراكمة الدلالات تنبض بالحياة بالعطاء بالمقاومة، في تجليات الجسد ومداعباته لوطن تحاول أرضه الانبعاث من جديد فكرة أسّست رؤاه الفلسفية وثقافة فنية دعمتها الحرفية.

فهو المنتمي للهم الوطني والمشبع بالبلاد لم يتعاط معها كفعل سطحي بل عمّقها في ذاته ومنجزه بوضوحه وصموده الفكري بتعقيده البسيط بصخبه الصامت ما أسس للغة نحتية غاصت في إيديولوجيا مفعمة بالصدق ما جعل منحوتاته تعبّر في كل مكان وتعكس لبنان بكل تمثلاته وتاريخه ومراحله التي تصنع حضوره في الساحات العامة والمتاحف والمؤسسات الرسمية.

فعزت مزهر يعتبر ظاهرة فنية أسّست للرؤية التي تبنت مسارات سردية بصرية في تشكيل المنجز من الحبكة إلى التفاصيل.

كوّن ذاته وبصمته الخاصة بمعزل عن قوالب النحت ذلك أنه انطلق منها ولكن تفاعل وتحاور وخاطب احساسه وانفعالاته التي أسست في حد ذاتها نصا نحتيا متكامل الحبكة والسرد لتلامس الوجدان حيث كان يتعامل مع الحجر بصقل وإزالة بين الذي يبقى في الفكرة والذي يرشح منها فعالجها معماريا وأثريا.

جمعية عزت مزهر للفنون احتوت فكرة البقاء لفن أخذ من عمر صاحبه سنين من التعب والبحث والتجديد والتوافق والتناقض الجمالي والحسي والترميم النفسي لبلد ومنطقة واقعة تحت رجّات الأحداث العاصفة والمتقلبة ولعل هذا التقلب هو ما حفر في ذاته تلك الثقة المتكاملة في جمالياتها البصرية لصناعة حرفيته النحتية الباقية تلك التي آمنت بها رفيقة دربه سمر مزهر التي حوّلت بيتهما إلى متحف وانشات الجمعية وتابعت مسيرته بسخاء ثقافي فقد كللت التجربة بكتاب عن مسيرة الفنان حمل عنوان “لبنان..عزت مزهر”، وعنه تقول “في هذا الكتاب حاولت أن أخرج أعمال النحات عزت مزهر إلى الضوء لتأكيد حضوره المستمر فكان بمثابة المتحف المتنقل الذي غاص في لوحاته ومنحوتاته ليبقي على حضوره الجمالي والمراحل التي رافقت العمل فنا ونحتا طيلة أربعين عاما من العطاء الفني والتجديد.

*كتاب “لبنان عزت مزهر”

ويعتبر الكتاب مرجعا مهما سرد تاريخ عزت مزهر الفني من خلال الرؤى النقدية للكاتب أحمد بزون  والزوايا الفنية للمصور صالح الرفاعي التي كانت صادقة في إضافة الصور وإخراج بسام قهوجي وقد صدر الكتاب بثلاث لغات العربية الفرنسية والانجليزية.

*الأعمال المرفقة:

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *