وجوه

مهندس مصري يبيع الكشري في برلين بعد اتهام النظام السوري له بالتجسس

مجريات حياته في السنوات القليلة الماضية تصلح لتكون شريطاً سينمائياً نموذجياً، لما خاضه الشباب خلال الربيع العربي، وما آلت إليه أحوالهم بعده، بما حملته من انتكاسات وتطلعات لمستقبل أفضل، إنهمحمد أبو بكر رضوان،المهندس المصري الذي عرفناه عندما تصدَّر نشرات الأخبار مع انطلاقة الانتفاضات العربية، عندما قدَّمه النظام السوري كعميل للاستخبارات الأجنبية يعمل لأجل المال.

اليوم يبدأ الرجل المصري عمله منذ الصباح الباكر في برلين بتعبئة كشك الطعام المتنقل الذي يملأه بالمواد الغذائية الطازجة وأطباق بلاستيكية، وغيرها من الأدوات، ليقدم “الكشري” أحد أشهر الوجبات المصرية لسياح ومواطنين ألمان، وبالطبع لمواطنيه في مجمع “كلتور براوراي” في حي برينزلاوربرغ، إلى جانب العديد من أكشاك الطعام المتنقلة، وفق ما نشر موقع “رودس أند كينغدومس”.

لماذا اختار بيع طبق الكشري

ويقضي محمد (39 عاماً)، الذي انتقل لبرلين منذ 3 أعوام، 5 إلى 7 ساعات لإعداد كمية من مكونات “الكشري” تكفي لقرابة 100 صحن مرتين في يومي عطلة نهاية الأسبوع، في مختلف المناسبات والفعاليات ببرلين.

ويقول إنه يحظى بدخل لائق إن كان الجو ملائماً، رغم الصعوبات التي يلاقيها في العمل وحده، على الإعداد وبيع “كشري” ينوع في مكوناته، لتلبي مختلف الأذواق الغربية والشرقية.

وكان محمد قد جرَّب وهو في مصر الذهاب إلى المطاعم المنزلية التي تقدم هذه الوجبة، لذا يشعر بأن “الكشري” الوجبة الوطنية غير الرسمية في مصر التي يأكلها الجميع، ستكون سبيله للفت الأنظار إليه في أوساط تقديم الطعام في الشارع بالعاصمة برلين، التي لديها سوق مزدهر لتقديم الطعام النباتي، والقليل من الأماكن التي تقدم الوجبات المصرية.

كشكه المتنقل الذي سمَّاه “كشري القاهرة” مطليّ بالأزرق، وطُبع عليه دولابان، ليرمزا فيما يبدو إلى تقديم العربات الخشبية هذا الطبق في مصر، أو لحياة التجوال التي عاشها، من الثورة في شوارع مصر إلى سجن في سوريا، والآن صاحب مشروع حديث النشأة في ألمانيا، التي تصدرت الدول الأوروبية في الأعوام الماضية استقبالاً للاجئين والمهاجرين القادمين من دول كسوريا والعراق.

وسكن عدد كبير منهم في مدن كبرلين، تضم مسبقاً مهاجرين ولاجئين عرباً وصلوا إلى ألمانيا، القرن الماضي، جراء حروب ومآسٍ شهدتها بلادهم.

يقول المهندس رضوان، متحدثاً عن سبب اختياره هذه الأكلة بالتحديد، إن هناك مسبقاً العشرات من المطاعم السورية الجديدة، التي لا تختلف كثيراً عن المطاعم اللبنانية والفلسطينية المتواجدة في برلين منذ عقود، لذا أعتقد أنه سيكون للمطبخ المصري فرصة ممتازة.

مشاركته في ثورة 25 يناير

وكان محمد قد وُلد في العام 1979 في مدينة هيوستن بالولايات المتحدة لأبوين مصريين، وكبر في القاهرة وأميركا، وتخرج كمهندس صناعي في العام 2002، من جامعة “تكساس أ&م”. ثم انتقل بعد أعوام لشمال إفريقيا والشرق الأوسط فعمل في البداية في المغرب، ثم لأعوام في السعودية، قبل أن يعود في العام 2010 لمصر، التي كانت على وشك أن تشهد تحولاً سياسياً هائلاً.

ويقول لـ”رودس أند كينغدومس” إنه كان يذهب يومياً إلى ميدان التحرير عندما بدأت الاحتجاجات المطالبة بالتغيير، وإنهاء حكم الرئيس حسني مبارك. وتعرَّض خلال تظاهرة، نهاية شهر يناير 2011، لإصابة بطلقة خردق في الرأس حينها، عندما كانت الشرطة تحاول منعهم من التوجه إلى وزارة الداخلية.

الانتقال إلى دمشق وتقديم النظام له على أنه “جاسوس”

وحصل “رضوان” على وظيفة مدير مكتب دمشق، في شركة بترول مقرها القاهرة، وهكذا كان كثيراً ما يسافر للعاصمة السورية ليدير مشاريع ويلتقي الموظفين المحليين.

وفي شهر فبراير 2011، عاد إلى دمشق في رحلة عمل اعتيادية، في وقت كان يسود الترقب حول إمكانية انتقال موجة الاحتجاجات من باقي الدول العربية إلى سوريا.

وفي الـ25 من شهر مارس، بعد أيام من خروج أول احتجاج في دمشق، كان “رضوان” متواجداً في جامع أمية الكبير يوم الجمعة، عندما بدأت مجموعة من المتواجدين هناك بإطلاق شعارات مناهضة للنظام، فالتقط بعض الصور، وفيما كان يكتب تغريدات، اقترب منه رجلان وأمسكاه من ذراعيه وسحباه للخارج، ثم تم نقله بعد دقائق لمركز اعتقال، بعد أن تم تقييد يديه ووضع لاصق على فمه.

يروي “رضوان” لموقع “رودس أند كينغدومس” أنه تم اتهامه بكونه جاسوساً، بعد أن تعرض للضرب في اليوم الذي اعتقل فيه، وأجبره المحققون على الاعتراف بقصة مختلَقة، مفادها أنه سافر سراً إلى إسرائيل، وتآمر عبر تلقي الأموال من الخارج لقاء إرسال صور وفيديو من سوريا. وتم تصوير “اعترافه” من قبل المحققين أنفسهم، قبل أن يتم بثه لاحقاً على التلفزيون الرسمي، بحسب الموقع.

 

يقول رضوان إن وصمه بأنه “جاسوس” عزَّز مزاعم النظام بأن الاحتجاجات في الداخل السوري جزء من مؤامرة أجنبية، ويتذكر كيف كان المحققون معه يختلقون قصصاً خيالية عن معرفته لصحفي كولومبي يعمل مع الموساد الإسرائيلي.

ويضيف أنهم كانوا يشيرون إليه بأن من مصلحته تكرار هذه الأسطر من الاستجواب، لذا قام بفعل ذلك لأن حياته كانت بين أيديهم.

ويتذكر أيضاً في حديثه مع “رودس أند كينغدومس” الأيام الثمانية المروعة التي قضاها في “أقبية الأسد” كما يسميها في دمشق، متحدثاً عن سجنه مع رجل مسن، وعن ضوء ساطع كان يغطي المكان طوال 24 ساعة، وكيف تم نقله بعد اليوم الرابع لحبس انفرادي، حيث بدأ الضرب، يُمسَك خلاله من قِبَل عدة رجال، ويُضرب بقضيب معدني طوال يوم كامل، فأصيب جسمه بكدمات، وبدأت الدماء تقطر من قدميه.

يقول إن أحد المحققين هدَّده بضربه على أعضائه التناسلية حتى يهشِّمها، مضيفاً أنه كان سيفقد القدرة على الإنجاب لو رفض التعاون معهم.

ويضيف أنه تم أخذه في الليلة السادسة مصفد اليدين معصوب العينين إلى منشأة سرية، حيث وضع المحققون أمامه خيارين، إما الاعتراف بالـ”جرائم” المختلَقة تلك، أو “الذهاب وراء الشمس”.

وفي الأول من شهر أبريل/نيسان، من ذلك العام، أُطلق سراحه، وتم أخذه إلى منزل السفير المصري، حيث التقى أباه أيضاً. يقول “رضوان” إنه عندما سأل القنصل العام بعد أن انتهى من اتصال ورده من السفير الأميركي الذي كان يريد الاطمئنان عليه، عن الذي أخرجه من السجن، قال إنه لن يعرف ذلك أبداً.

إلا أن بي بي سي كانت قد نقلت حينها عن القنصل العام المصري في دمشق محمد الفيومي، توضيحه أن “السفير المصري قد تلقَّى من السلطات السورية أمر الإفراج عن المهندس رضوان بناء على توجيهات من الرئيس السوري بشار الأسد، انطلاقاً من العلاقات الأخوية بين الشعبين الشقيقين”.

إنشاء مركز ابتكاري في مصر  

وبعد أن عاد محمد إلى مصر وارتاح لأشهر من المحنة التي مرَّ بها، شارك في إنشاء مركز ابتكاري للتكنولوجيا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، في مجال الزراعة على نحو خاص. قبل أن يحول مجال عمله من الهندسة إلى تقديم الاستشارة للمشاريع الاجتماعية مدة 3 أعوام، في مدن كنيروبي وريو دي جانيرو، ثم قرَّر الانتقال للعيش في حي نويكولن البرليني، الذي يضم الكثيرَ من السكان العرب والأكراد والأتراك، حيث يتبضَّع مكونات الطعام الذي يقدمه لزبائنه من متاجرهم، التي تضم منتجات لا يجدها المرء في أماكن أخرى في برلين.

مصر الصغيرة على عجلات

ويتحدث “رضوان” للموقع أيضاً عن مغزى أكبر من تقديم الطعام النباتي للبرلينيين، ألا وهو التواصل مع المهاجرين العرب المشتاقين لتذوق طعام من الوطن، فيما يتذكرون المشهد السياسي الأقل كارثية.

ويتجمَّع عند كشكه المتنقل الذي يشبه “مصر الصغيرة على عجلات” في فترة نهاية الأسبوع ناشطون وفنانون عرب، منهم مصريون شاركوا معه في الثورة، يجمعهم الكوشري معاً.

يقول رضوان إنه لا يستطيع التوقف عن التفكير فيما سيحدث بعد الآن في بلاده مصر، بعد 7 أعوام من النزول للشارع والإطاحة بمبارك.

ويضيف أنه من المستحيل مواصلة الإعراب عن أفكارهم في المناخ السياسي في مصر حالياً، مشيراً إلى قدرة الحكومة على أن تطالهم وهم في برلين، نظراً إلى السمعة السيئة للسفارة المصرية في برلين، في الإبلاغ عن نشاطات المصريين في المدينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى