آراء

احذروهما: “باراك”.. وعودة القدس إلى خريطة التنازلات

إيهود باراك، الرجل الذي سرق عقل ناخبيه قبل 19 سنة، في إحدى الشقلبات السياسية الأكثر فضائحية التي شهدناها في ساحتنا السياسية في أي وقت من الأوقات، عاد الآن إلى الساحة ويطلب ثقتنا مجدداً. بصفته رئيس الوزراء العاشر لإسرائيل، وافق باراك في تموز 2000 في أثناء مؤتمر كامب ديفيد الثاني، على تقسيم القدس والبلدة القديمة. وهو لم يندم على ذلك.

لم يشرح للجمهور كيف أعلن، في جفعات هتحموشت قبل بضعة أشهر من ذلك فقط، في يوم الذكرى الـ33 لتوحيد القدس، بأن “من لا يفهم عمق العلاقة النفسية الشاملة للشعب بالقدس” و”من هو منقطع تماماً عن الصلة بالتراث التاريخي والمغترب عن رؤيا الشعب، أنشودة حياته، ومعتقداته وآمال حياته، قادر بشكل عام أن يتصور تنازلاً… عن قسم من القدس”. بعد بضعة أسابيع من ذلك، تخلى عن نذره وقسمه.

إن أضرار تقسيم القدس ستجد تعبيرها في أصعدة لا تحصى: صهيونية، يهودية، تاريخية، أمنية ومدينية. ولكن باراك وجه ضربة قاضية حتى أكبر من ذلك: كسر المحظور والإجماع حول القدس. خلق سابقة من الموافقة الإسرائيلية على تقسيم القدس، وتمكن في أعقابها من أن يسير براحة أولمرت ولفني، ووزراء ونواب، وأحزاب ضالة وضائعة الطريق. وفوق كل شيء، فإن مستوى توقعات الفلسطينيين ارتفع إلى سماوات لا تطاق.

أتذكر نفسي في تلك الأيام، بين جمهور غفير من 300 ألف إسرائيلي، مهانين ولا يصدقون. أقف أمام أسوار البلدة القديمة في مهرجان “القدس – أقسم”. كما أجد صعوبة في أن أنسي كيف أن إهانة باراك الفظة لعصفور روح الشعب اليهودي كادت تحقق الانقسام والثورة، بل وتهديدات بالعصيان المدني ورفض الأوامر حتى من جانب أناس لم يتماثلوا على الإطلاق مع اليمين الإسرائيلي.

شخصيات كموتي أشكنازي، من قادة حركات الاحتجاج بعد حرب يوم الغفران، أو رجل القانون مئير روزين، الذي كان المستشار القانوني لوزارة الخارجية، أوضح في حينه، مع عشرات آخرين من زملائهم، بأن “تنازلات باراك في موضوع القدس لن تلزمهم ولن تلزم دولة إسرائيل أو الشعب اليهودي كله”.

ووصفوا خطواته بأنها “غير قانونية على نحو ظاهر” و”محاولة لسرقة عقل سكان إسرائيل وذخر الشعب اليهودي”. لقد نجح باراك حينئذ في إخراج رئيس العليا السابق موشيه لنداو من الخزانة السياسية، الذي حذر من “انهيار دولة اليهود وتمثلها في المجال حولنا”. روني ميلو، رجل حزب الوسط الذي استقال احتجاجاً من حكومة باراك، شرح في حينه قائلاً: “لن نتمكن من أن نشرح لأنفسنا، وللأجانب ولأولادنا، ما نفعله هنا وما هو حقنا في البلاد”.

أربعة أحزاب الائتلاف لباراك تركوه وتركوا باراك مع حكومة أقلية. وحين حاول، بعد بضعة أيام من انتخابات 2001، أن يفرض على الواقع وعلى الجمهور الإسرائيلي صفقة ثار ضدها بكل قوته، خرج ضده حتى مؤيد معلن لكل الدولتين مثل البروفيسور شلومو افنري، وكفر بشرعية مؤتمر طابا وخطواته.

فهل تغير باراك؟ هل ندم على خطواته؟ بالعكس. في كانون الأول 2010، حين خطب في منتدى سبان في واشنطن، كرر باراك موقفه بأن مخطط تقسيم القدس الذي اقترحه في حينه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون سيكون الوصفة للتسوية الدائمة. الرجل الذي قبل سنتين هدد بثورة المجتمع المدني ضد سياسة حكومة نتنياهو (مئات الآلاف في الميادين سيمنعون هذا بأجسادهم”)، هو الخطر الحقيقي على الديمقراطية.

إن خيانته لثقة ناخبيه وللقدس ينبغي ويجب أن نذكر بها الآن في هذا الأوان. صحيح أن نتنياهو جمد البناء في القدس والمستوطنات ويمتنع عن أي عمل ضد سيطرة الفلسطينيين على مناطق ج. كما أنه يبدي وهنا في الحرم، ولكن حدوداً واحدة لم يجتزها، والأمل ألا يجتازها أبداً (ولا حتى في إطار صفقة القرن): الحفاظ على القدس كاملة، موحدة، غير منقسمة وواحدة. أما باراك فقد اجتاز هذه الخطوط الحمراء منذ زمن بعيد. محظور إعطاؤه فرصة أخرى للمس بالقدس وتقسيمها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى